المرحوم الشيخ عز الدين القسام، اجتهد ومات في سبيل فكرته

رحمه الله لقد كان مسلما صحيح الإسلام

22/11/1935

صحيفة فلسطين – عبد الغني الكرمي

عرفته بعد أن أثقلت كاهله السنون وأربى على الستين، ولكن مجالدة الدهر، ومقارعة الحوادث، وصروف الزمان، ما ألانت له قناة، وما أذلت له جناحا لأحد، وما زادته إلا ورعاً وتقوى.

كان يمشي مطأطئ الرأس من خشية الله. وكان يتكلم في هدوء وتواضع واتزان، كالعالم الواثق من نفسه، المؤمن برسالته، الحريص على تقوى الله، وبث تعاليم الدين الصحيحة بين الناس، وما سمعته على طول صلتي به، يحب الإصغاء إلى لغو الكلام، والمهاترة، والإستغابة، فإذا أمعن المتحدثون في هذا الضرب من القول، رفع رأسه وقال: استغفروا الله أيها الناس – وانصرف عنهم.

وسمعته مرات خطيبا فكان الخطيب اللسن، المالك أعنة القول، المؤثر على سامعيه، فله من وقاره، وجلال مظهره، وبلاغته، وعلمه الديني الواسع، وقدرته على تخيير الألفاظ والآيات القرآنية والأحاديث النبوية، أكبر معين على اجتذاب القلوب إليه، وتصديق ما يقول، والإعتبار بما يجري على لسانه من عظات وعبر.

وأحسب أنه العالم الديني الوحيد في هذه البلاد، الذي كان إذا صعد المنبر وخطب المسلمين في أيام الجمعة، يغرس في قلوب سامعيه حب الوطن، والإيمان بالحق، والجهاد في سبيل الله.

فقد كانت خطبه كلها مزيجا من الدعوة الصريحة إلى الإنتقاض على الظلم، والتفاني في التضحية، والتدليل على أن المسلم غير مكلف بالخضوع لسلطان غير مسلم أو أجنبي عن أمته، وكان يردد دائما الآية الشريفة: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولى الأمر منكم”، ويشرح معنى “أولى الأمر منكم” شرحا وافيا.

وما أظن أني سمعت له خطبة لم يذكر فيها الآية الشريفة “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون”.

وما أنسى ما حييت مقابلتي له في حيفا، يوم علق شهداؤنا الثلاثة على أعواد المشانق في عكا في 17 حزيران 1930. فقد رأيته متجهم الوجه يغالب الدمع ويجالده، وفي عينيه بريق رهيب وأوصاله ترتجف غضبا، وهو لا يكاد يعي ما حوله. ورأيته يسرع الخطى إلى المسجد فيعتصم به فتبعته، وهناك ألقى خطبة نارية على من حوله، ليس الآن مجال للتحدث عنها.

ورآني بعد أسبوع ألعب النرد في جمعية الشبان المسلمين وسمعني أسخر بقروي جاء ليتداوى في عياد الجمعية الإسلامية، إذ أشكل عليه التفريق بين الأسمين لتقاربهما، فانتهرني وأخذ بيد القروي إلى العيادة ولم يتركه حتى اشترى له العلاج!

وقال لي ذات يوم: يمين الله أن شباب العصر الأخير ابتعدوا كثيرا عن النهج القويم وأمعنوا في الضلال فلم يبق على هذه الأمة إلا أن تعتصم بما في قلوب الفلاحين والعمال من بساطة وإيمان وبُعد عن بهارج مدينتكم الزائفة وعلومكم وآدابكم التي تقصي الإنسان عن “الفطرة” المستحبة.

فقلت له، أتدري أنهم يتهمونك بالشيوعية إذا سمعوك!

فقال: أنظر قد اشتعل رأسي شيباً وخبرتي الطويلة تجعلني أرجو خيراً كثيراً من الفلاحين والعمال، فهم واثقون بالله، مؤمنون بجنات الخلد واليوم الآخر، ومن كانت هذه صفاته كان أقرب الناس إلى التضحية وأجرأهم على الإقدام، أضف إلى ذلك أنهم أقوى بنية وأكثر احتمالا للمشاق والمتاعب.

ولما بلغني نبأ استشهاده في زمرة من هؤلاء المؤمنين الذين عناهم قبل خمس سنوات فهمت ما كان يقصد.

هذا هو المرحوم فضيلة الشيخ عز الدين القسام الذي لم يمنعه كبر سنه عن المضي في تحقيق فكرة اعتنقها ورأى فيها مجتهداً سبيلا لانعتاق أمته من إسارها وأغلالها. رحمه الله، لقد كان مسلماً صادقاً.

 

رئيس المجلس الإسلامي الأعلى يتحدث إلى مراسل جريدة “الجورنال”

العرب واليهود قبل الحرب – مطامع اليهود الدينية والسياسية في فلسطين – أثر الدعاية الصهيونية في يهود فلسطين – الغلو الصهيوني – لماذا رفض عرب فلسطين المجلس التشريعي – اليهود يثيرون الفتنة ويهيئون أسبابها – تمثيل اليهود في قتلى العرب – كيف يضمن السلم في البلاد؟


صحيفة “الجامعة العربية”

23.9.1929

قابل مراسل جريدة “الجورنال” التي تصدر في باريس سماحة رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، الحاج أمين الحسيني، وسأله عن رأيه في الإضطرابات الحاضرة، وأسئلة أخرى أجاب سماحته عليها بما ننشره فيما يلي. وقد أرسل المراسل المذكور نص الحديث إلى الجورنال منذ عدة أيام.

1. أصحيح أن اليهود الذين وجدوا قبل الحرب بفلسطين كانوا يعيشون بكل راحة وكإخوان مع باقي العرب؟

نعم. وصحيح أن اليهود المقيمين بفلسطين كانوا يعيشون بتفاهم واتفاق مع العرب إلى نهاية الحرب العامة، أو بعبارة أدق إلى تاريخ 2 نوفمبر سنة 1917، وهو التاريخ الذي أعلن فيه تصريح بلفور.

2. ما هو الباعث للعرب على تبديل سياستهم وسلوكهم نحو اليهود؟

إن اليهود بعد تصريح بلفور بدلوا معاملتهم مع العرب، وجعلوا يظهرون المطامع الخطيرة والإعتداء على العرب، ثم تجاوزوا ذلك إلى الإعتداء على الأماكن الدينية ولم يتحرج كبراؤهم فضلاً عن دهمائهم، عن إظهار حقيقة نواياهم ومطامعهم في المسجد الأقصى، فصرحوا تصريحات أذكر لكم منها قول اللورد ملتشت “السر الفرد موند” (أن اليوم الذي سيعاد فيه بناء الهيكل أضحى قريباً جداً وأنني سأكرس بقية حياتي لبناء هيكل عظيم مكان المسجد الأقصى)، وقول فيلسوفهم اينشتاين (أن اليهود بدون الهيكل كالجسم بدون الرأس فيجب على اليهود أن يسترجعوا رأسهم وهو الهيكل)، وقول زنكويل (ما على المسلمين إلا أن يقوضوا خيامهم ويرحلوا إلى أرض غير هذه الأرض).

وقد وزعوا صوراً مطبوعة علاها شعارهم الصهيوني المؤلف من التاج اليهودي وخاتم سليمان وبعض أعلام صهيونية، وهذه الصور تحتوي على قبة الصخرة المشرفة “مسجد عمر”، وكذلك مكان البراق الشريف الذي كان السبب المباشر للحوادث الأخيرة التي أثارها اليهود تعمداً طمعاً منهم بالإستيلاء على البراق الشريف.

3. هل أثّر وجود الصهيونيين بعد الحرب على علائق اليهود الذين كانوا قبل الحرب وعلى سلوكهم؟

لا ريب في أن الدعاية الصهيونية غيّرت من أخلاق القسم الأعظم من اليهود الذين كانوا يقيمون قبلا بفلسطين، ومن سلوكهم أيضاً. وأعتقد أن في اليهود قسماً يستخطي التطرف والغلو اللذين يظهرهما الصهيونيون، ويود لو أمكنه استبقاء الصلات القديمة. ولكن هؤلاء مغلوب على أمرهم ولا يستطيعون الظهور أمام صولة الصهيونيين الغلاة.

4. أصحيح أن الحكومة البريطانية عرضت على العرب مجلساً تشريعياً، ولكنهم رفضوه، ولماذا؟

نعم إن الحكومة البريطانية عرضت تشكيل مجلس تشريعي وقد رفضه العرب لأنه كان نصف منتخب على الشكل الآتي: “8” مسلمين و”2″ مسيحيين و”2″ يهوداً و “0 ” انكليز موظفين برياسة المندوب السامي. فاعتقد العرب أن مجلساً كهذا لا يوافق مصلحتهم وليس لهم فيه أكثرية فرفضوه.

5. ما هي المعلومات والإيضاحات التي يمكن الحصول عليها فيما يتعلق بالحوادث التي جرت، وهل ثمة وثائق تثبت فظائع اليهود؟

إن الحوادث الأخيرة كان اليهود مثيروها كما سنظهره واضحاً جلياً بالوثائق الدامغة التي ستقدم إلى لجنة التحقيق، التي ننتظر أنها ستصدر حكمها دون تحيز أو محاباة كما أصدرت حكمها اللجنة التي عينت سنة 1921 برئاسة السر توماس هيكرافت، قاضي قضاة حكومة فلسطين السابق.

وسوف تظهر الحقيقة بوضوح وجلاء منذ أثارت الصحف اليهودية بأقلام غلاة الصهيونيين هياج اليهود، وكيف نفخت في أنوفهم مقررات مؤتمر زوريخ والأقوال المتطرفة فيه، وكيف تعهدوا إحداث فتنة في مكان البراق الشريف بمناسبة عيد الحزن “عيد خراب الهيكل” ومناسبة انعقاد مؤتمر زوريخ الذي كان يجمع مندوبين من عموم العالم اليهودي، ليحاولوا تعديل الكتاب الأبيض الذي أصدرته وزارة المستعمرات الإنكليزية أيام وزارة المحافظين السابقة، طمعاً بأن تساعدهم على ذلك وزارة العمال الحاضرة.

أما التمثيل في قتلى اليهود فلا صحة له البتة، وأن اللجنة الطبية التي كشفت على جثث قتلى اليهود في الخليل والمؤلفة من ثلاثة أطباء من الإنكليز وثلاثة من العرب وثلاثة من اليهود، قد نفت بكل قوة أية حادثة من حوادث التمثيل، وبذلك فندت مزاعم اليهود ودعايتهم الباطلة.

وستنجلي الحقيقة عن عكس ذلك بأن سيتضح بصور أكيدة ورسمية عدة حوادث تمثيل وتشنيع أحدثها اليهود في قتلى العرب، وإحدى هذه الحوادث تمثيلهم بجثة المرحوم الشيخ عبد الغني عون إمام جامع أبو كبير بيافة، الذي قتلوه مع عائلته المؤلفة من نساء وأطفال. والثانية حرق محمود علي حمدان من أهالي قالونية بعد موته..

6. هل من إحصاء عن قتلى وجرحى العرب؟

ليس في إمكاننا تعريفكم الإحصاء الحقيقي عن قتلى وجرحى العرب في الحالة الحاضرة لأنها لا تزال تحصى، وليس لدينا سوى إحصاء الحكومة.

7. ما هي الوسائط الضرورية أو الممكن اتخاذها خلال السلم في البلاد؟

إن الواسطة الأكيدة والوحيدة لسلم دائم في البلاد هي العدل التام بين جميع سكانها والعدول عن سياسة تصريح بلفور غير العادلة وغير الطبيعية، والتي هي في الحقيقة إرهاق وتسخير لأكثرية كبرى مؤلفة من نحو سبعماية ألف عربي لصالح مائة وعشرين ألف يهودي. ثم تشكيل حكومة نيابية ديمقراطية يشترك فيها جميع سكان فلسطين من عرب ويهود بنسبتهم العددية.

التمييز بين العرب واليهود في المحكمة المركزية بالقدس

صحيفة “الجامعة العربية”

23.9.1929

حكمت المحكمة المركزية في القدس، يوم الثلاثاء في 17 أيلول، على المتهم محمد سعيد حمد من سوريا المقيم بقرية لفتا، بالحكم سنة واحدة بالسجن مع الرسوم بتهمة حيازة أسلحة خلافاً للمادة 3 والمادة 26 فقرة 2 من قانون الأسلحة النارية لسنة 1922، والأسلحة المصادرة هي مسدس براوننغ وجد في جيبه ورصاصة واحدة.

وحكمت على المتهم ليون كورليست اليهودي الألماني القاطن قرب المستشفى الألماني بالقدس، بتهمة حيازة أسلحة خلافاً للمادتين السابقتين، بغرامة ثلاثة جنيهات أو السجن شهراً مع الرسوم. والسلاح المصادر مسدس ألماني وجد في يده وخمس وثلاثون رصاصة.

وحكمت على المتهم محمد عبد العزيز من صخرة – عجلون المقيم في صور باهر بالحبس سنة واحدة مع الرسوم لنفس التهمة السابقة والسلاح المصادر مسدس أوتوماتيك و13 رصاصة.

وحكمت على المتهم آشر يعقوب فيليبوفسكي اليهودي بغرامة ثلاث جنيهات أو السجن شهراً مع الرسوم لنفس التهمة السابقة. والسلاح المصادر مسدس أوتوماتيك وخمس وخمسون رصاصة.

ماذا يقول المستر “بنت” في ثورة فلسطين؟

صحيفة “الجامعة العربية”

23.9.1929

نشرت التيمس في عددها الصادر يوم 5 أيلول الجاري، مقالة للمستر بنت عضو البرلمان البريطاني ورئيس جمعية الشرق الأدنى والأوسط، تناول فيها أسباب ثورة فلسطين الحالية، نقتطف منها ما يلي:

“إن منشأ الإضطرابات الحاضرة يتعدى مسألة حائط المبكى إلى ما هو أبعد منها بكثير، فهل غرب عن بالنا أن ثمة وثائق عديدة نشرت على الملأ موقعة بإمضاء الملك جورج الخامس، وعدنا بها العرب وعوداً رسمية بإنشاء حكومة نيابية، تقوم على رغائب الوطنيين رغبة حرة؟

إن هذا الهياج ضد اليهود، واستياء الرأي العام محتم وقوعه في كل حين، رغم أننا جردنا العرب من السلاح، طالما أن ستة أسباع أهالي البلاد محرومون من حق الحكم الذاتي إرضاء لأقلية من المهاجرين الغرباء.

وإنه ليس من الحق أن يُنتقد المندوب السامي أو مساعدوه لعدم وجود القوى الكافية في بدء الثورة. فهناك أحد أمرين لا ثالث لهما. فإما أن نقدم على سلوك سبيل العدل وتكون لنا الجرأة الكافية في إعطاء العرب حقوقهم المشروعة من الحكم الذاتي تحت الإنتداب البريطاني (الذي يؤيده معظم المسيحيين)، وإما أن ترصد قوى كبيرة من الجند في فلسطين، يتحمل نفقاتها دافعو الضرائب البريطانيون.

مهندس إنكليزي يفند مدعيات اليهود في البراق

مقال خطير في جريدة التيمس للمستر آشبي المستشار المدني السابق لحكومة فلسطين. اليهود يجمعون أعداد التيمس المنشور فيها المقال ويحرقونها من الغيظ.


صحيفة “الجامعة العربية”

23.9.1929

اطلعنا في عدد التيمس، بتاريخ 3 أيلول، على مقال خطير للمستر آشبي، المستشار المدني السابق في حكومة فلسطين، يتعلق بتفنيد مدعيات اليهود في البراق الشريف، ننشره فيما يلي لأهميته:

سيدي،

هنالك نقطتان بارزتان في مأساة فلسطين لم توفيا حقهما من العناية، فهل تسمحون لي بذكرهما؟

الأولى: أن المسائل المتعلقة بحالة حائط المبكى تتوقف – ككثير غيرها من المنازعات الدينية والشعبية – في القدس، على مسائل فنية محضة لا تفهم تماماً إلا عن كثب.

والثانية: أن القسم الأعظم من القوة الدافعة للصهيونية هو في أمريكا، فلربما نعجب بالحماسة الصهيونية الشبيهة بالدينية، ولكن هذه الحركة تمثل بالأكثر عقلية أوروبا الشرقية، عقلية أناس جهلاء فاقدي التوازن، حديثي العهد بالخروج من ربقة الاضطهاد، أناس قد أسكرهم المال والنجاح في العالم الجديد. إن هذه العقلية، بما تقوم به في فلسطين لا بد من أن تؤدي إلى الإنفجار.

يصرخ الصهيونيون مدعين أن حائط المبكى يجب أن يكون ملكاً لهم، جاهلين التفاصيل الفنية والتاريخية التي يُستطاع إثباتها من الحائط نفسه، والتي أوضحتموها في صورتكم المنشورة في عدد 26 أغسطس. فمنذ الفتح الإسلامي لفلسطين، عدا برهة قصيرة من الحكم اللاتيني في عهد الصليبيين، والحائط في قبضة المسلمين.

عندما انفجرت إضطرابات عام 1920 بين المسلمين واليهود، دُعيت وغيري لإبداء رأي فني في الأمر المختلف عليه حينئذ. وقد كان ألو الأمر من المسلمين، قياماً بالواجب يرممون القسمين، الأعلى والأوسط من الحائط، فجرّب اليهود أن يدّعوا ملكية الحائط كله، كما أنهم احتجوا بأن قطعاً من الطين، وهذا أمر يجوز وقوعه، قد سقطت على رؤوس الواقفين هناك.

ويعتقد الأخصائيون أن الأقسام الثلاثة السفلى من الحائط – وهو المكان الذي يبكي فيه اليهود – يرجح أن تكون بناء هيرودياً، والأقسام العليا إسلامية، والأقسام الوسطى يونانية – رومانية بنيت بعد تخريب طيطس المدينة. وبناءً على هذا، فالحائط ليس بوجه من الوجوه كما يفهمه اليهود الأرثوذكس. وليس ثمة داع للفرض أن هذه المسائل الفنية تغيرت أو أنها قد تتغير. ولكن هناك كل البواعث التي تنذر باضطرابات كالإضطرابات الحالية إذا اصطدمت صهيونية غرورة غير ناضجة، بمحمدية مظلمة، الأمر الذي يجوز حدوثه في كل حين لأتفه الأسباب.

لقد مكثتُ بفلسطين مدة أربع سنوات ونصف كمستشار مدني للبحث في هذه التفاصيل الفنية الصعبة، التي يرتبط بها تاريخ أوروبا الديني ارتباطاً غير منفصمة عراه. ولقد جئت إلى فلسطين متأثراً بتحبيذ الصهيونية، غير أنني عند مغادرتي لفلسطين كان قد تغير رأيي..

ففي سنة 1918 قال لي أحد زعماء الصهيونية الذين كنت على اتصال دائم بهم، أن الأراضي الواقعة حول الحائط كانت دائرة الأوقاف على وشك أن تبيعها لليهود بثمن باهظ.

ورأيي الحاضر في هذا الموضوع، هو أنه لو لم يكن وعد بلفور – الذي يعتبره القسم الأكبر من المسلمين وكثيرون من المسيحيين، جائراً من أساسه – لتمت هذه الصفقة، ولكن كل محاولة في هذه الآونة تستعمل فيها القوة للإستيلاء على ما رفض بالمفاوضات الحية، لا تؤدي إلا إلى كوارث أخرى.

وكغيري من أصدقائي الموظفين، كان مستخدمو دائرتي الكثيرون أحياناً، يتألفون من المسلمين والمسيحيين واليهود، وكلهم من خيار الناس لأنهم منتقون للمهن الفنية الجديدة، وكانوا مطيعين مجتهدين مؤتلفين، ولكنهم لا يعول عليهم عندما يدعوهم زعماء دينهم للجهاد سواء أكانوا من الروم أو اللاتين، ومن العرب أو اليهود.

وبناء على ذلك، فيحق لنا نحن الذين خبرنا الحالة، أن نطلب الإنقاذ إلى الإتّقاد من الوقوع في تجربة أخرى، كما كانت الحالة سابقاً. ويجب أن لا نثقل كاهل من جماعات الموظفين الإنكليز، الذين يبذلون جهوداً كبيرة، بذنوب غيرهم، مع أنهم لا يدخرون وسعاً في سبيل تنفيذ سياسة صعبة يناقض بعضها بعضاً”.

انتهى.

الجامعة“: هذه شهادة رجل إنكليزي فني محايد يعترف أنه جاء إلى فلسطين متأثراً بالمبادئ الصهيونية، وهي شهادة قيّمة جداً تدحض دعوى اليهود من أساسها في ملكية أي جزء من أجزاء الحائط الغربي (البراق).

وقد بلغ من غيظ اليهود في لندن من هذا المقال الذي نشره المستر آشبي في جريدة التيمس الصادرة يوم 3 أيلول الجاري، أنهم جمعوا أعداد التيمس هذه وأحرقوها لأنها شهادة قوية ببطلان مزاعمهم. وإننا نشكر للمستر آشبي هذه الشهادة الصريحة التي لا لبس فيها ولا إبهام.

ولكن هناك نقطتين لا نرى بداً من الإشارة اليهما. الأولى قول المستر أشبي “محمدية مظلمة” وهذا وصف نعترض عليه وإن كنا لا نريد أن نناقشه الآن، لأن المجال ليس مجال نقاش وإنما هو مجال استشهاد برأي فنان في مسألة فنية.

والثانية قوله ان أراضي الوقف المحيطة كان من الممكن أن تباع لليهود لولا وعد بلفور، وأن أحد زعماء الصهيونية أخبره أن دائرة الأوقاف كانت موشكة أن تبيعها لليهود. إن هذا القول غير صحيح، فإن الوقف لا يمكن أن يُباع، وكل ما هنالك أن اليهود حاولوا حينئذ أن يشتروا وقف أبي مدين المذكور بمساعدة السير رونالدستورس حاكم القدس، فصدهم المسلمون صداً عنيفاً، فعادوا على أعقابهم مخذولين وفشلت محاولة السير رونالدستورس كما تفشل كل محاولة أخرى لاهتضام حقوق المسلمين والعرب في هذه الديار.

استعراض شامل لوقائع الحرب العالمية الكبرى منذ يوم ابتدائها حتى انتهاء القتال في أوروبا أمس

فلسطين – 9.5.1945

بمناسبة إعلان استسلام القوات الألمانية المحاربة للحلفاء ننشر فيما يلي عرضاً موجزاً لأهم حوادث الحرب خلال السنوات الست الماضية:

1939

في أول أيلول اجتاحت الجيوش الألمانية بولونيا، وفي الثالث منه أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على المانيا.

وفي 30 تشرين الثاني هجمت القوات الروسية على فنلنده، وعقد الصلح بينهما بعد قتال دام ثلاثة أشهر ونصف الشهر.

1940

في أول نيسان غزا الألمان دنمرك ونرويج وفي 2 أيار صد الألمان محاولة البريطانيين غزو النرويج بعد أن تم احتلالها من الجيوش الألمانية.

وفي 10 أيار غزا الألمان الأراضي الواطئة وفي 15 منه اقتحموا خط ماجينو، وفي 2 حزيران وقعت معركة دنكرك، وفي 10 منه دخلت إيطاليا الحرب، وفي 22 منه قبلت فرنسا شروط الصلح الألمانية في عربة قطار، وفي 29 منه بدأ الألمان هجومهم الجوي العنيف على بريطانيا.

وفي 28 تشرين أول بدأت إيطاليا هجومها على اليونان.

1941

في 9 نيسان هاجم الألمان يوغوسلافيا وتولوا الإشراف على الأعمال الحربية في حملة اليونان.

في 18 أيار تم استسلام الطليان في الحبشة. في أول حزيران احتل المظليون الألمان جزيرة كريت وفي 22 منه بدأ الألمان هجومهم على أراضي الإتحاد السوفييتي.

في 6 آب بدأ روزفلت وتشرشل مؤتمراً استمر ثلاثة أيام وأسفر عن نشر ميثاق الأطلنطي.

في 7 كانون الأول شن اليابانيون هجومهم المباغت على ميناء اللؤلؤ، وفي 8 منه أعلن الكونغرس الأمريكي الحرب على اليابان، وأعلنت كل من ألمانيا وإيطاليا الحرب على أمريكا.

1942

في 14 كانون الثاني عقد تشرشل وروزفلت اجتماعهما المعروف في الدار البيضاء.

في 1 تموز أوقف الجيش الثامن هجوم روميل في العلمين وفي 3 تموز سقطت ميناء سباستبول.

في 8 تشرين الثاني نزل الحلفاء في شمال أفريقيا.

1943

في 3 شباط خسر الألمان معركة ستالنغراد.

في 12 أيار انتهت المقاومة الألمانية في شمال أفريقيا.

في 10 تموز غزا الحلفاء صقلية (إيطاليا) وفي 25 منه قبض على موسوليني وتولى بادوليو الحكم.

في 3 أيلول استسلمت إيطاليا دون قيد أو شرط.

1944

في 12 أيار شرع الجيشان الثامن والخامس في هجومهما لاحتلال روما.

في 4 حزيران سقطت روما، في 6 حزيران بدأ الحلفاء حملتهم لغزو أوروبا من شمال فرنسا وفي 23 منه بدأت غارات القنابل الطائرة على بريطانيا.

في 20 تموز وقعت محاولة اغتيال هتلر، وانتهت بالفشل.

في 2 آب قطعت تركيا علاقاتها مع ألمانيا وفي 15 منه نزلت قوات الحلفاء في جنوب فرنسا، وفي 23 منه استسلمت رومانيا للحلفاء وسقطت مارسيليا وباريس في أيدي القوات الفرنسية المقاومة في الداخل.

في 26 آب أعلنت بلغاريا حيادها التام.

في 4 أيلول اجتاز الحلفاء حدود هولندا ووصلوا إلى الحدود الألمانية واحتلت قواتهم بروكسل.

في 9 منه اجتمع تشرشل وروزفلت في كويبك لوضع الخطط لغزو اليابان وتقرير مصير ألمانيا.

في 13 أيلول اخترق الحلفاء خط سيجفريد.

في أول تشرين الأول احتلت قوات المارشال تيتوبلغراد وفي 5 منه بدأ غزو الحلفاء لليونان وأخلت القوات الألمانية مدينة أثينا، وفي 7 منه وقعت أول معركة بين الدبابات على “التربة الألمانية”، وفي 9 وصل تشرشل وايدن لموسكو للإجتماع بستالين، وفي 18 منه أعلن هتلر “التعبئة الكبرى”، وفي 24 اخترق الروس حدود بروسيا الشرقية.

في 3 تشرين الثاني حرر الحلفاء البلجيك، وفي 4 منه تم تحرير اليونان، وفي 8 منه أعيد انتخاب روزفلت رئيساً للجمهورية، وفي 11 منه زار تشرشل وايدن باريس.

في 18 كانون الأول تولى هتلر بنفسه الإشراف على وضع الخطط الحربية في الجبهة الغربية، وفي 19 منه شن المارشال رونشتد هجومه المعاكس في رواق الاردين في الجبهة الغربية، وفي 26 منه وصل تشرشل وايدن إلى أثينا، وفي 28 وقعت محاولة لاغتيال تشرتشل ونجا.

1945

في 17 كانون الثاني أعلن ستالين احتلال وارسو.

في 1 شباط وصل الروس إلى نهر الاودر وفي 6 منه أذيع أول نبأ عن اجتماع روزفلت وستالين وتشرتشل في مؤتمر يالطة، وفي 12 منه أذيعت مقررات ذلك المؤتمر، وفي 17 منه بدأ الروس زحفهم على برلين، وفي 14 منه أعلنت تركيا الحرب على ألمانيا واليابان، وفي اليومين التاليين أعلت كل من مصر وسوريا الحرب على المحور.

في 9 أذار عبر الأمريكيون نهر الراين.

في 6 نيسان ألغت روسيا ميثاق الحياد بينها وبين اليابان، في 9 منه سقطت عاصمة بروسيا الشرقية في أيدي الروس. وفي 11 منه احتلت قوات الجيش الأحمر عاصمة النمسا – فيينا، وفي 12 منه توفي الرئيس روزفلت. وفي 23 منه أعلن ستالين دخول قوات الجيش الأحمر إلى برلين وفي 25 انعقد مؤتمر الأمم المتحدة في سان فرنسيسكو، وفي 26 منه نشبت الثورة في شمال إيطاليا، وفي 27 منه التقت قوات الروس بالقوات الحليفة في ألمانيا. في 27 منه اعتقل الثوار الإيطاليون موسوليني وفي اليوم التالي أعدموه رمياً بالرصاص، وفي 29 منه عرض هملر استسلام ألمانيا لبريطانيا وأمريكا.

في 1 أيار مات هتلر وهو يشرف على معركة برلين وأعلن الأميرال “دونتس” بوصفه “فوهرر” ألمانيا الجديد.

في 2 منه استسلم مليون جندي ألماني في إيطاليا وغرب النمسا لقوات الحلفاء.

في 3 منه أعلن احتلال برلين بأكملها.

في 4 منه سقطت همبورغ في أيدي الحلفاء. وفي 5 منه استسلمت القوات الألمانية في الشمال للمارشال مونتغمري.

“يوم النصر” في يافا وحيفا ونابلس وتل أبيب

صحيفة فلسطين

في يافا

رفعت أعلام الخلفاء المختلفة والزينات المتنوعة يوم أمس على الدوائر الرسمية والبنوك والمؤسسات المالية ودتر البلدية والقشلاق والعمارات الكبيرة والمكاتب والمطاعم وفي الميادين وغيرها في أنحاء يافا ابتهاجا بيوم النصر وقد عطل الموظفون في جميع الدوائر الرسمية والبلدية والمحاكم أعمالهم لمدة يومين (أمس واليوم) مشاركة في الإبتهاج العظيم بالنصر. وقد أصدرت جميع معسكرات الجيش أوامرها إلى جميع عمالها بالتعطيل لمدة يومين مع احتساب أجورهم كاملة عنهما.

وعطلت دائرة البريد أعمالها ما عدا قبول وتسليم البرقيات بين الثامنة والعاشرة صباحاً. أما الحالة في الأسواق التجارية فقد خيم عليها حالة الركود الشامل من جميع النواحي فلا بيع ولا شراء إلا فيما ندر من الأشياء الضرورية. وكان هذا الركود الشامل سبباً في تدارس لوضعيتهم وكانت أحاديثهم متفقة على ضرورة الشروع بإلغاء دوائر المراقبة لتعود إلى التجارة حريتها وانتعاشها السابقين وأن تلغى القيود المفروضة على حرية الإستيراد وأن يكون إلغاء هذه القيود بأسرع وقت ممكن وأنه لا مانع من التدريج في ذلك.

في حيفا

حيفا في 8 أيار – لمراسل فلسطين الخاص – احتفلت المدينة اليوم بيوم النصر فعطل موظفو دوائر الحكومة ومشاغل السلطات والشركات أعمالهم ورفعت الأعلام على الدوائر الرسمية ودورالحكومة والشركات وبعض المتاجر وقرعت أجراس الكنائس وأقفلت المدارس أبوابها وأعد سجل خاص في دار الحكومة أخذ المهنئون يسجلون فيه أسماءهم كما استقبل حاكم اللواء المهنئين من الشخصيات الرسمية في دار الحكومة قبل الظهر وستعطل دوائر الحكومة أعمالها غداً “الأربعاء” أيضاً وجاءنا من دار مطرانية الروم الكاثوليك ما يلي: بمناسبة إعلان يوم النصر طلب سيادة المطران جاورجيوس حكيم أن تقرع أجراس كنائس حيفا وكل الأبرشية اليوم وأن تقفل أبواب المدارس الطائفية كلها وسيقيم قداساً حافلاً بمثابة شكر يوم الخميس – عيد الصعود – الساعة التاسعة صباحاً في كنيسة مار الياس في حيفا والكل مدعو لهذا الإحتفال. وقد طلب أن تقام حفلات وصلوات في جميع كنائس الأبرشية في نفس اليوم. وعلمنا أنه ستقام في كنيسة مار يوحنا الإنجيلي صلاة شكر متحدة لأجل انتهاء الحرب في الساعة السادسة والنصف من مساء يوم الخميس وسيشترك فيها عدة قسس والرؤساء الروحيون من الطوائف الأخرى ويحضرها حاكم اللواء وقد جعلت الدعوة عامة.

في نابلس

نابلس في 8 أيار- لمراسل فلسطين الخاص- احتفلت المدينة اليوم احتفالاً كبيراً لمناسبة انتهاء الحرب وقد رفعت أعلام الدول المتحدة وأقواس النصر في كل مكان وأغلقت المدارس ودوائر الحكومة أبوابها وعطلت أعمالها ابتهاجاً. ويقام غداً احتفال رسمي في دار الحكومة لاستقبال المهنئين.

احتفالات تل أبيب

نشرت “هاآرتس” برنامج الإحتفال (اليوم) في تل أبيب بيوم النصر وجاء فيه: إن الأعمال في المشاغل ستعطل والمدارس ستقفل أبوابها بعد درس خاص على الطلبة يفهمون به يوم النصر والمواصلات ستقف ابتداء من الساعة الرابعة حتى السابعة مساء والحوانيت ستقفل من الرابعة حتى السابعة مساء.

وسيسير موكب في الساعة الرابعة يتقدمه رؤساء المؤسسات والهيئات ثم طلبة المدارس ثم رجال هيئات الدفاع السلبي والذين اشتركوا بالحرب.

تشرتشل يعلن للعالم إنتهاء الحرب الألمانية: “أمامنا كد وجهود ضد اليابان فلنوجه قوانا جميعها نحوها”

صحيفة فلسطين

لندن – روتر – أعلن المستر تشرتشل نبأ استسلام ألمانيا المطلق قائلاً:

في الساعة الثانية واتلدقيقة الحادية والأربعين من صباح أمس، في مقر قيادة الجنرال أيزنهاور، وقع الجنرال جودل ممثلاً القيادة الألمانية العليا، والأميرال الأكبر دونتس رئيس الدولة الألمانية، وثيقة استسلام جميع القوات الألمانية البرية والجوية في أوروبا استسلاماً مطلقاً دون شرط، لقوات الحلفاء وفي الوقت نفسه للقيادة العليا السوفياتية.

موقعو الوثيقة

ووقع الجنرال بيدل سميث رئيس أركان حرب الجيش الأمريكي والجنرال فرنسوا سيفيه الوثيقة باسم القائد الأعلى لقوات الحلفاء ووقها الجنرال سوسلاباتوف باسم القيادة الروسية العليا.

وسيثادق على هذه الإتفاقية وتؤيد في برلين حيث سيوقع مارشال الجو تيدر نائب القائد الأعلى لقوات الحلفاء والجنرال تاسيني باسم الجنرال آيزنهاور ويوقع الجنرال جوكوف باسم القيادة السوفياتية العليا. وسيمثل الألمان الفيلد مارشال كاتيل رئيس القيادة العليا، والقائد العام للقوات البرية والبحرية والجوية الألمانية.

موعد انتهاء القتال

وسينتهي القتال رسمياً بعد دقيقة واحدة من منتصف الليل “الليلة” في الثامن من شهر أيار. ولكن من أجل إنقاذ الأرواح وقف القتال منذ الأمس على طول الجبهة وإن جزيرتنا المحبوبة تكون اليوم حرة.

ليس من المستغرب

ولا يزال الألمان في بعض الأمكنة يقاومون الجنود الروس ولكن إذا واصلوا هذه المقاومة إلى ما بعد منتصف الليل فسيحرمون أنفسهم من حماية قوانين الحرب وسيهاجمون من كل ناحية. وليس من المستغرب في ميادين واسعة كهذه وفي هذه الحال التي تعانيها قيادة العدو أن لا تطاع أوامر القيادة الألمانية العليا في كل حالة، حالا.

ولكن هذا، في رأينا، وبناء على أحسن مشورة عسكرية، لا يكون سببا لأن نمنع عن الشعب معرفة حقائق وصلت إلينا من الجنرال آيزنهاور من أن الإستسلام المطلق قد وقع بالفعل في ريمس ولن تمنعنا عن الإحتفال باليوم وبالغد كيومي نصر في أوروبا.

واليوم ربما فكرنا على الأكثر بأنفسنا، أما غدا فسنقدم ثناء خاصاً إلى زملائنا الروس الذين كان وجودهم في الميدان مساهمة كبرى في النصر العام.

انتهت الحرب

وعليه فإن الحرب الألمانية قد انتهت. إن الألمان بعد سنوات من الإستعداد أطبقوا على بولنده في أول أيلول سنة 1939 وطبقاً لضمانتنا لبولنده وبالإتفاق مع الجمهورية الفرنسية أعلنت بريطانيا والإمبراطورية البريطانية وجامعة الأمم البريطانية الحرب على هذا العدوان الشنيع.

بعد سقوط فرنسا

وبعد أن سقطت فرنسا واصلنا نحن من هذه الجزيرة ومن إمبراطوريتنا المتحدة النضال وحيدين مدة سنة كاملة إلى أن انضمت إلينا قوة روسيا السوفياتية العسكرية ثم قوة الموارد الهائلة للولايات المتحدة الأمريكية. وفي النهاية اجتمع العالم كله تقريباً ضد صانعي الشر الذين هم الآن منطرحون أمامنا. إن أمتنا *** لحلفائنا الأمجاد ينبعث من صميم قلوبنا في هذه الجزيرة وفي أنحاء الإمبراطورية كلها. ويمكننا جميعاً أن نسمح لأنفسنا بفترة قصيرة من الإبتهاج ولكن لا يغربن عن بالنا للحظة واحدة الكد والجهود التي ما زالت أمامنا.

فإن اليابان بكل خيانتها وطمعها، لم تخضع بعد. وإن الأذى الذي ألحقه ببريطانيا العظمى والولايات المتحدة والأقطار الأخرى وأعمالها القاسية المنكرة تطلب العدالة والثأر. فعلينا الآن أن نوقف كل قوانا ومواردنا على إنجاز مهمتنا في الوطن والخارج. فإلى الأمام يا بريطانيا، ولتعش قضية الحرية وليحفظ الله الملك.

وزير الخارجية الألمانية يعلن لشعبه نبأ الإستسلام: “لنتغلب على هذا الإنهيار فننقذ وحدتنا دون يأس أو قنوط!”

لندن 8-ر- أذاع الراديو الألماني البيان التالي للكونت شبيرن فون كروسيغ وزير خارجية الرايخ وهو موجه إلى الشعب الألماني، قال: “أيها الألمان، رجالاً ونساء، إن القيادة العليا للقوات المسلحة أصدرت أمراً اليوم للأميرال الأعلى دوتنز أعلنت فيه استسلام جميع الجيوش الألمانية المحاربة دون شرط ولا قيد. وأنا بصفتي وزير حكومة الرايخ التي ألفها أميرال الأسطول الأعلى لمعالجة شؤون الحرب أتوجه في هذه الساعة العصيبة من تاريخنا إلى الشعب الألماني. إن ألمانيا – بعد قتال مجيد دام ست سنوات مليئة بالشدائد والمصاعب – تستسلم الآن لقوات أعدائها التي لا قبل لها بها. والإستمرار في الحرب لا يعني سوى إهراق الدماء بدون جدوى وتمزيق لا طائل منه. والحكومة التي تشعر بمسؤوليتها نحو مستقبل الشعب اضطرت أن تعترف بالإنهيار وأن تطلب من أعدائها وقف القتال. وإنه لأنبل عمل لأميرال الأسطول وللحكومة التي تناصره أن ينقذا في الدور الأخير من الحرب ما أمكن إنقاذه من أهل البلاد بعد جميع تلك التضحيات التي اقتضتها الحرب. وهذا هو السبب في أن الحرب لم تنته في الحال وفي نفس الوقت في الشرق والغرب.

وفي هذه الساعة العصيبة من ساعات الشعب الألماني والرايخ تقف فيها في غاية الإحترام أمام قتلى هذه الحروب والتضحيات التي قدموها نواجه مسؤوليات كبرى وتتجه عواطفنا الآن، وقبل كل شيء آخر إلى الجرحى والمفجوعين وإلى كل من أصابهم هذا النضال بمصيبة ما، ويجب أن لا نخدع بل يجب أن نقدر في غير خفاء صرامة الشروط التي فرضها أعداؤنا على الشعب الألماني. يجب أن نواجه ما قدر لنا بثبات وبدون تململ، وليس هناك فرد منا يشك بأن المستقبل شديد علينا وسيتطلب من كل واحد منا تضحيات في كل ناحية من نواحي الحياة، ولكن يجب أن نقبل هذا الحمل وأن نقف مخلصين أمام التعهدات التي ارتبطنا بها، إلا أنه يجب أن لا نيأس ويجب أن لا نستسلم للقنوط والجمود ولكن يجب أن ننتصب مرة أخرى وأن نسير في الطريق على مبلغ ما فيها من ظلام المستقبل. ودعونا نتغلب على هذا الإنهيار لننقذ شيئا واحدا هو وحدتنا، تلك الوحدة القومية التي عبرنا عنها أبلغ تعبير في روح الأخوة الواحدة التي شاعت بيننا في جبهات القتال، فلنعبر عنها الآن بما نبدي من استعداد لمساعدة بعضنا البعض في هذه الكارثة التي حلت بالوطن والعدالة ستكون بيننا القانون الأعلى والمبدأ الذي يوجهنا. ويجب كذلك أن نعترف بأن القانون هو الأساس لكل العلاقات بين الأمم، يجب أن نعترف بهذا وأن نحترمه عن عقيدة ثابتة. واحترام المعاهدات يجب أن يكون غاية مقدسة قداسة غاية هذه الأمة في أن تنخرط في مجموع أسرة الشعوب الأوروبية.