رسائل من مقيم إلى مهاجر

صحيفة فلسطين 19/7/1911

رسائل

من مقيم إلى مهاجر

17

الله يعمرك يا ضيعتنا

بلادنا أحسن البقاع. لا حر يحرق ولا برد يدنق. هذا أول ما خطر لي أن أقول بعد تلاوتي رسالتك الأخيرة أيها الصديق.

تقول إن الحر عندكم في أميركا اتصل لدرجة اضطرت الناس لهجر المنازل وقصد الجنائن العمومية وأرصفة الشوارع، ليرقدوا حيثما اتفق وكيفما أمكن.

وتقول أيضاً أن ذوي اليسار الذين قصدوا السواحل البحرية ليبتردوا، أوقعهم الحر في حيرة من جهة ملابسهم، وترددوا بين أن يراعوا اللياقة أو يرضخوا لحكم الضرورة. وبمعنى أوضح هل يحافظون على ملابسهم الإعتيادية أو يقضون نهارهم في اللباس المختص بغسيل البحر.

وختمت خبرك بأن الفوز كان لحكم الضروة وأن أصحابنا حجبوا وجه اللياقة، وصاروا يتبادلون زياراتهم ويعقدون اجتماعاتهم ويتجولون في الأسواق ويجلسون في القهاوي والمنتديات وهم تقريباً عراة وبلباس البحر المعروف، ولسان حالهم يقول: الضرورات تبيح المحذورات.

لهذا قلت لك بلادنا أحسن البقاع، لا حر يحرق ولا برد يدنق، وهذا من نعم المولى وحكمته الغامضة. لأننا معاشر الشرقيين رغماً عن كون قاعدة الضرورات تبيح المحذورات هي من وضعنا، فمع ذلك لا سبيل لها أن تمس عندنا الأمور المتعلقة باللباقة والآداب.

فلولا سمح الله اتصل عندنا الحر للدرجة التي تصفها في رسالتك، لكان فتك بأجسامنا قبل أن يفتك بآدابنا، ولكنا نفضل الشيّ بحر الثياب ولا أن يمس الهواء الجزء المستور منا.

إذاً بلادنا أحسن البقاع والقسم الأوفر منا يفضل عدم مفارقتها، وعندما يشيرون عليه بالسفر والسعي، يقول ما قاله ذلك الرجل اللبناني: الله يعمرك يا ضيعتنا.

نزل هذا اللبناني لأول مرة لبيروت فجال في شوارعها وتنقل بين مبانيها، فأدهشته فخامة قصورها حتى نسي نفسه وأدركه الليل، فاحتار ماذا يعمل وهو غريب معدم. أخيراً وجد عتبة قصر فافترش الأرض وجعل العتبة تحت رأسه ونام.

ولما أصبح الصباح استلم طريق ضيعته، فصادفه صديق في الطريق فسأله كيف وجدت مدينة بيروت يا صاح؟ فأجابه هي مدينة جميلة مدينة عامرة ومدينة متمدنة، ولكني لم أنم نوماً هنيئاً فيها “فالله يعمرك يا ضيعتنا ما عمري برتاح إلا فيك”.

ي.

من حِدايَة الغزل إلى دحّيّة السلاح

تاريخ النشر: 7/12/2019

انتشرت في السنوات الأخيرة “الدحّيّة” في الأعراس وغيرها من المناسبات الاجتماعيّة، حتّى بات من الصعب حضور أيّ منها من دون أن نسمعها، بل صارت جزءًا من الحملات الانتخابيّة لمرشّحين وأحزاب. في السابق كانت الحِدايَة (شعر المحاورة) الملازمة لصفّ السحجة، أكثر شيوعًا من الدحّيّة، لكن رويدًا رويدًا تسلّطت الأخيرة على مناسباتنا، وضربت بعرض الحائط الحِدايَة، أو الردّيّة كما يُطلق عليها في بعض لهجات أهل الشام.

الدحّة أو الدحّيّة

الدحّة أو الدحّيّة كما تشير بعض الروايات التراثيّة، نسبة إلى الصحابيّ دِحْيَة بن خليفة الكلبيّ؛ فمن موروث قبيلة الشرارات، من بني كلب، أنّ أجدادهم كانوا يقولون إنّ دِحْيَة الكلبيّ أرسله الرسول (ص) إلى أحد الملوك حينما خشي بعض الرسل الذهاب إليه، فقام دِحْيَة واقفًا، وأصبح سفيرًا للرسول، وعندما عاد إلى دياره بعد أن سلّم الرسالة للملك، كان في استقباله أبناء قبيلته، الشرارات، ومعهم بعض القبائل الأخرى، وكانوا يصفّقون ويصيحون “دِحْيَة… دِحْيَة… دِحْيَة… إلخ”، ومن ثَمّ طُوّرت هذه الصيحة حتّى أصبحت تُستخدم في الحروب والمعارك لبثّ الرعب في قلوب الأعداء بأصوات تقشعر الأبدان، وهي “هدير الإبل، وصوت خافت مقارب للذئب عندما يفترس”؛ إذ استخدمتها قبيلة الشرارات في معاركها وغزواتها، ثمّ أصبحت تستخدمها في الأفراح ومناسباتها السعيدة.

الدحّيّة أو الدحّة رقصة بدويّة قديمة جدًّا إذن، تُمارَس فلسطينيًّا منذ القدم في منطقة صحراء بئر السبع تحديدًا (المعروفة اليوم بـ “النقب”)، وشبه جزيرة سيناء، وحوران، والعراق، وسوريا، وبعض دول الخليج، وشمال السعوديّة، وكانت تُمارَس قديمًا قبل المعارك وخلالها لإثارة الحماسة بين أفراد القبيلة، وعند نهاية المعارك يصفون بها ما دار خلالها من أحداث وبطولات. أمّا الآن، فهي تُمارَس في مناسبات الأعراس والأعياد وغيرها من الاحتفالات، بل وحتّى المناسبات السياسيّة، وتجمع بين فنّ الشعر المحكيّ والرقص والأهازيج.

الحِدايَة أو الردّيّة

أمّا الحِدايَة أو الردّيّة، فمن تعريفاتها: “كلّ كلام موزون مقفًّى له معنًى، يُنشَد ارتجالًا بين اثنين على الأقلّ، ويعتمد على الفتل والنقض”. ولا يُعلَم متى كانت بداية هذا النوع من الفنون وأين؛ لكنّ نصوصًا حواريّة وصلت لشعراء قبل أكثر من مئة عام، مثل بديوي الوقداني من الحجاز، لها أن تدلّل على أصول وزمن هذا النوع من الفنّ الشعبيّ.

لا يُستبعد أن تكون أوّل بداية شعر المحاورة تحدّيًا بين شاعرين لإثبات الشاعريّة وقوّة الشعر، ومؤكَّد لم يكن على الشكل الحاليّ، بل ربّما بدأ ببيت أو بيتين، ثمّ تطوّر إلى الغناء، ومن ثَمّ أُدخلت الصفوف، وهكذا حتّى صارت هذه الممارسة فنًّا من الفنون الشعريّة الشعبيّة ذات الحضور القويّ في بعض المجتمعات العربيّة.

 

كان شاعر الحِدايَة الجيّد يكتب شعره بنفسه، وهو ذو معنًى، ورسائل اجتماعيّة وسياسيّة، حيث احترام الآخر، والتغزّل بالجمال، والاحتفاء بالصيد والطبيعة، والغناء للوطن والأرض، للخضرة والخيل والنساء، ولإكرام الضيف، وحسن السلوك، والمظهر، والرجولة، والكرم، وموضوعات عدّة.

لم تخْلُ أغاني الحِدايَة من تمجيد للمقاومة في بلاد الشام مثلًا، فمنها فلسطينيًّا: “شايف صهيوني على التلّ عجّل هات البارودة”. ولعلّ من أبرز شعراء الحِدايَة الفلسطينيّين الّذين أذكرهم من صباي، عوني سبيت رحمه الله، الّذي اشتهر بارتدائه الزيّ الفلسطينيّ التقليديّ والحطّة والعقال.

صفّ السحجة

ما أذكره في صباي عن أعراس قريتي مِعِلْيا، “صفّ السحجة” الملازم للحِدايَة؛ يرأس الصفّ رجل كبير السنّ أو كبير المقام، ويكون الشباب دائمًا في آخر الصفّ. تميّز صفّ السحجة بالسير مسافات طويلة، تتضمّنها استراحات قصيرة من الأبيات الشعريّة المقفّاة، وعند توقّف الصفّ أمام منزل ما، كانت العائلة تكرم ضيافة المشاركين في صفّ السحجة؛ فالنساء يرشُشن الرزّ على الصفّ والعرسان، أو يرشُشن عطرًا على العروسين ومرافقيهما، كالأشابين، أو يقدّمن العصير البارد. أمّا رجال العائلة وشبابها فكانوا يفتحون قنّينة عرق أو “كونياك 777″، ويدورون بها على الصفّ، ويسقون الجميع من “بوز القنّينة” واحدًا تلو الآخر.

كان للنساء دور في صفّ السحجة؛ فكنّ يرقصن في الوسط، إحداهنّ بالسيف وأخريات بأغصان زيتون أو ورد أو مناديل ملوّنة مصنوعة من قماش الغاز، ومخدّات مزيّنة بالورد الطبيعيّ. أمّا الصبايا فكنّ يرقصن بالمناديل الملوّنة، وأمّا النساء الأكبر سنًّا فحسب القرابة إلى العائلة أو المكانة داخل العائلة، المرأة الّتي كانت ترقص بالسيف كانت أشدّهنّ ثقة بالنفس وتسلّطًا، وفي وقفات الاستراحة والأوف والمواويل، كانت النساء يتسابقن إلى الميكرفون ليغنّين الآويها ويُطلقن الزغاريد.

بقيّة النساء كنّ يَسِرن خلف العرسان، يعزفن على الدربكّة ويغنّين الأغاني التراثيّة: “الحنّا من عنّا والبدلة من باريس”، “تدّحرج حبّ البندورة يمّا تدّحرج”.

كنّا في الأعراس نمشي على الأقدام مسافات طويلة لا تقلّ عن ساعة، حتّى الوصول إلى الكنيسة. وعلى الرغم من أنّ مِعِلْيا بلد صغير، إلّا أنّ شعراء الحِدايَة كانوا يتبارزون في تهييج الصفّ، ومَنْ يردّ على الآخر ويُفحمه، غير الوقفات الشعريّة والمواويل، والشباب يكرّرون خلفه. في مِعِلْيا، انضمّت النساء أيضًا إلى صفّ السحجة نهاية الثمانينات، وسرن بجانب الرجال.

الطريق إلى الكنيسة طويلة، وتمتاز بصعود قويّ وحادّ، كانت تُثقل أرجل النساء اللواتي انتعلن الكعوب العالية، أمّا الصبايا فهذا كان فرصة لديهنّ لإبراز جمالهنّ وحضورهنّ؛ فكنّ يرقصن في الصفّ فيراهنّ الشباب في سنّ الزواج. الموضوع عرض وطلب، وفرصة لتعارف جديد وزواج جديد، في الصفّ يعرض الجميع ما لديهم؛ الصبايا يعرضن أجسادهنّ وملابسهنّ، والشباب رجولتهم.

ما تبقّى من ذاكرتي الأزياء الّتي ارتدينها النساء فترة الثمانينات، الأكمام المنفوخة و”الكلوش”، وفساتين مصنوعة من قماش الكتّان والتفتا. المشكلة كانت عند هبوب ريح؛ فحتّى لو كانت خفيفة كانت أثوابنا تتطاير، فنمسكها بأيدينا لنستر ملابسنا الداخليّة، هذه اللحظات كانت تُثير الشباب، فيبدؤون بالتصفيق والسحجة الحادّة، يهيجون ويسحجون بحماسة، ويصفّقون بقوّة، عدا الأصوات الّتي كانوا يخرجونها كأنّها أصوات من عالم الحيوان.

المثير للدهشة في هذين النوعين من الفنّ الشعبيّ، أي الدحّيّة وصفّ السحجة الملازم للحِدايَة، أصوات الحيوانات، وتحديدًا في الدحّيّة؛ كأنّها دمج بين هدير الجمل وزئير الأسد، أو كمناداة قطيع من الماعز، ثمّة عودة إلى الشيء الغريزيّ البدائيّ.

عودة قويّة… ولكن

اللافت في أمر الدحّيّة في فلسطين، عودتها القويّة وانتشارها الواسع في مختلف مناطقها، لكن بصياغات أخرى محدّثة. معين الأعسم مثلًا، واحد من أشهر فنّاني الدحّيّة وأكثرهم طلبًا؛ إذ يُحيِي حفلات ومهرجانات الدحّيّة، ليس فقط في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1948، بل في الضفّة الغربيّة والقدس أيضًا. عند دخولي إلى صفحته في فيسبوك ذُهلت من النتائج؛ فقد وصل عدد متابعي صفحته إلى ‏قرابة 350 ألف‏ شخص، وأظنّ أنّه من الفنّانين الفلسطينيّين القلّة الّذين حظوا بحجم إعجاب ومتابعة مثله. تحظى الدحّيّة بمتابعات ومشاهدات كثيرة جدًّا عبر موقع يوتيوب، تبلغ الملايين أحيانًا، إضافة إلى إنتاج بعض مغنّيها وفرقها فيديوهات كليب خاصّة، وأقراصًا سمعيّة تُباع في الأسواق على نحو واسع.

الكلمات في الدحّيّة الفلسطينيّة ليست مفهومة للجميع على اختلاف لهجاتهم، حتّى عندما تحاول أن تسمعها مرارًا وتكرارًا، إلّا أنّ ذلك لا يؤثّر أبدًا في حالة النشوة الّتي تجعل الشباب يقفزون ويصفّقون، وكأنّ مسًّا من الجنون أصابهم.

يفتقر أغلب مغنّي الدحّيّة اليوم إلى الصوت الجميل العذب، وإلى الثقافة الشعريّة الشعبيّة الأصيلة، ويبدو أنّ هذا ليس بالصدفة؛ فالحضيض الثقافيّ والسياسيّ والاجتماعيّ الّذي وصلنا إليه انعكس أيضًا في أدبيّات الأعراس والمناسبات الاجتماعيّة الأخرى.

وممّا يميّز الدحّيّة اقتصارها على الذكور، ولا سيّما الشباب منهم؛ فلقلّما شاهدنا نساء يشاركن في الدحّيّة. ومن المثير معرفة سبب غياب النساء عنها، وقد يكون هذا موضوعًا آخر لتناوله في مقالة ثانية.

هذه الحالة العامّة من النشوة، الّتي يصل إليها الشباب خلال الدحّيّة، تُذكّر قليلًا بالحلقات الصوفيّة الشعبيّة. عند مشاهدتي حفلات دحّيّة عبر يوتيوب، ذُهلت من حركات الشباب الموحّدة، حركة الرأس وهزّة الجسم، والانخفاض قليلًا والتصفيق، وكأنّهم في “مارش” عسكريّ، أو حالة من الجنون المؤقّت.

دحّيّة السلاح

من أبرز أغاني الدحّيّة الّتي تتردّد في أعراسنا ومهرجاناتنا، دحّيّة السلاح، منها “حطّ الكاتم على الكاتم” (مسدّس كاتم الصوت)، و”M16″، وكذلك دحّيّة “الحشيش”.

 

يغالي معين الأعسم أداءً في دحّيّة “M16″، فيُصدر أصواتًا مبهمة وفحوليّة، ليحمّس الشباب، ويتفانى في مدح السلاح “والبزر”، أي الطلقات، والتجارة بها، وبأنّها تُرعد الجوّ.  ومن بعض العبارات الّتي تتضمّنها هذه الدحّيّة:

شيلي إل إم سِتَعْشي، بِتْخَلّي قَلْبَكْ يِرْتِعْشي

لو طُخَّه يا وَلَدْ طُخَّهْ، لو طُخَّه وَفَجِّرْ مُخَّه

اِرْكِنْ كَعِبْها عَ كْتيفَك، طَلَقْها يِطْلَعْ عَ كيفَكْ

وِكْلاشِنْ صُنْعِ الروسي، وِمْخَصَّصْ لَقَطْعَ الروسِ

ماني وَارْبَعْ مِخازِنْ، وِسْلاحي بْكِتْفي مِتْوازِنْ

ماني وِصْقيري حَدّي، أَخَلّي رِمْشَكْ يْنَدّي

الطَّخّْ اللّي اِنْتَ سِمِعْتَه، أَنا البَيّاعْ اللّي بِعْتِه

إِنْ صارَتْ عِلينا غارَة، الْبِزِرْ إِحْنا تُجّارَه

مَصْنَعْنا فيه حتّى البَرْكِة، إِحْنا وِالْحكومَة شِرْكِة

لَجيكو وَالله لَجيكو، بِالْبِزِرْ لَاقظي عِليكو

في هذه المقتطفات تشجيع وترويج للسلاح والقتل العلنيّ، عدا إشهار السلاح خلال الحفلات الّتي تُقام وكذلك إطلاق النار. إنّ العديد من الشباب الّذين يُطلقون النار في المناسبات الاجتماعيّة ملثّمون، أو يرتدون أقنعة تُخفي وجوههم، ولربّما الوحيد الّذي كان يلوّح بالسلاح دون وجل أو خوف هو الأعسم نفسه؛ يمسك بالميكرفون بيد وباليد الأخرى مسدّس، ويلوّح به ويُهيّج الجمهور الشابّ الّذي يُثار من كلمات الدحّيّة، ومن إطلاق النار الحيّ.

في أدبيّات المقاومة الفلسطينيّة، ثمّة تغنّ بالسلاح، لكن بصفته أداة مقاومة، لا أداة عنف وترهيب وإبراز عضلات. هذه النقلة النوعيّة ليست بغريبة؛ فالعنف والجريمة المُستشريان في أراضي 48 خلال السنوات الأخيرة، وقد تُرجِما أيضًا إلى دحّيّة تهلّل للسلاح واستخدام العنف والقتل. حتّى تاريخ كتابة هذه المقالة، قُتل هذه السنة 83 شخصًا بإطلاق نار حيّ.

بطل… مجرم

خلال بحث أجريته حول الجريمة المنظّمة، فوجئت بالكمّ الهائل من الفيديوهات الّتي تُحيّي عصابات الإجرام وتهلّل لهم، وكُتبت أغاني دحّيّة خاصّة بهم، لعلّ أبرزها فيديوهات أيمن كراجة، حيث التعامل معه كأنّه بطل وزعيم، على الرغم من أنّه مجرم يقضي الآن عقوبته في السجن.

عند حواري مع العديد من الأشخاص، اكتشفت أنّنا – المجتمع الفلسطينيّ في أراضي 48 – أصبحنا نتسابق لدعوة رئيس عائلة إجرام، من العائلات المعروفة لنا ولشرطة إسرائيل، وفي العرس يُحيّي المطرب ضيف عائلة الإجرام بصفته شخصيّة اعتباريّة، وكأنّه زعيم. ليس الأمر مفاجِئًا؛ لأنّنا نبحث عن شخصيّة بطل ما، شخصيّة قويّ يمكنه أن  يحمينا، وكم هلّلنا لدكتاتوريّين ومستبدّين عربًا، من رؤساء دول أو أحزاب أو ميليشيات، وتعاملنا معهم على أنّهما “المخلّصون” الّذين سوف يخلّصوننا من الاحتلال، وحتّى من الهيمنة الأمريكيّة والاستعمار!

ثقافة القوّة ما هي إلّا نتاج هزيمة وخيبات متتالية، وضعف الحركة الوطنيّة والقيادات السياسيّة، وتفكّك البناء الاجتماعيّ. كم نحن بحاجة إلى بطل ومخلّص، حتّى لو كان البطل مجرم حرب، أو مجرمًا عاديًّا، الأهمّ تسجيل بطولات حتّى لو كانت وهميّة!

تقهقر صفّ السحجة، وتراجعت حالنا، وتفرّقت صفوفنا، وصدعت أغاني الدحّيّة التي تهلّل للعنف والجريمة، واختفت المشاركة في نفس قنّينة العرق أو الكونياك الرخيص، وتوقّفت النساء عن رشّ الرزّ رمز البركة والتكاثر، ولم يعُد للنساء مكان للمشاركة في الدحّيّة، واعتلى صوت الرصاص؛ فمزّق مجتمعنا قبل أن يمزّق شبابنا وآذاننا.

 

فسحة

ثلاثة نماذج إسلامية رائعة في زمن الشيطنة

تاريخ النشر: 3/12/2019

في وقت يتصاعد فيه المد اليميني العنصري في الغرب، تأتي حوادث فردية من قبل أناس مسلمين، كي تصفع ذلك اليمين، وتؤكد أن المسلم ليس كما يتصوره البعض أو تصوّره بعض وسائل الإعلام ككائن عنيف يحب القتل، ويتعامل مع الآخرين بمنطق العداء.

قبل الخوض في الحكايات الثلاث ودلالاتها، لا بد من الإشارة إلى أن الأفكار غالبا ما تنتشر بالنموذج، وليس بالوعظ المباشر الجاف؛ إن كانت تتعلق بأديان، أم بأيديولوجيات من شتى الألوان. ولو تتبعت سيرة الناس على صعيد الأفكار والتيارات والجماعات، فستجد أن كلا منهم قد اعتنق تلك الأفكار من خلال إنسان أحبه أو صادقه، ووجد فيه ترجمة جميلة لتلك الأفكار، قبل أن يشرع في القراءة النظرية لطروحاتها.

أتذكر حين كنا طلبة في الجامعة أول الثمانينات؛ حين كانت الصحوة الإسلامية في بداياتها، وكان التديّن غريبا على مجتمعاتنا.. أتذكّر أننا لم نكن نجد من سبيل لكسب قلوب الزملاء غير تقديم النموذج المخلص في خدمتهم والحرص على مصالحهم، وتبني قضاياهم أمام إدارة الجامعة، بجانب الاهتمام بالقضايا المجتمعية التي تعنيهم عبر النشاطات والمهرجانات والمسيرات. وكان كثير من الشباب الإسلاميين يبذلون من أوقاتهم والقليل الذين يملكونه من أجل ذلك، وهو ما أفضى إلى انحياز أعداد كبيرة من الطلبة تباعا إلى الفكرة الإسلامية.

استوقفتني في الأسبوعين الأخيرين ثلاث حكايات تستحق التوقف، أولاها مقابلة مع الكاتبة الأمريكية الشهيرة (اليزابيث جيلبرت)، تحدثت خلالها عما سبق أن سطّرته في روايتها الشهيرة (طعام، صلاة، حب)، والتي صدرت في العام 2010، وتحوّلت إلى فيلم سينمائي لاحقا، حيث تحدثت عن أن صورة الإسلام التي تراها بعيدا عن الجدل الراهن تتمثل في سلوك تلك المراة المسلمة الإندونيسية في تلك الجزيرة الصغيرة، والتي خمّنت أنها (أي الكاتبة) مريضة حين لم تخرج لرياضتها المعتادة، وكانت بالفعل مريضة جدا، فاعتنت المرأة الإندونيسية المسلمة بها أفضل عناية كما لو كانت ابنتها، وهي لا تعرف اسمها.

القصة الأخرى تتعلق بتلك المسلمة البريطانية من أصول ليبية، والتي واجهت متطرفا مسيحيا أصر على أن يقرأ كلاما من الإنجيل يعرّض باليهود على مسمع طفل يهودي وأمه في القطار، فتصدّت له وسط صمت بقية الركاب، فكان فعلها ذلك موضع اهتمام وإعجاب من الجمهور البريطاني، ثم كان أن بحث الزوج ووالد الطفل عنها حتى يشكرها.

أما القصة الثالثة، فتتعلق بذلك الشاب المسلم من أصول آسيوية، والذي يعمل في مهنة توصيل الطلبات إلى البيوت في مدينة نوتنغهام، حين شاهد أعمدة دخان تتصاعد من أحد المنازل، وتجمعا كبيرا للناس خارجه، فصرخ متسائلا عما إذا كان الجميع خارج المنزل، ثم رأى امرأة مع طفلين صغيرين تصرخ قائلة: طفلي طفلي ما زال في المنزل، فكان أن اقتحم المنزل على الفور، والتقط الطفل من غرفة بجوار المطبخ، حيث اندلعت النيران وأنقذه إلى الخارج، وبقي مع العائلة حتى قدوم الإطفاء والإسعاف. وكانت قصة تداولتها وسائل الإعلام وسمع بها أكثر الناس.

لم يفعل أي من هؤلاء ما فعل بروحية الدعوة إلى الإسلام بمعناها الحرفي على طريقة المبشّرين في المناطق الفقيرة، تماما كما لم يترجم التجار المسلمون في القديم قيم دينهم في الصدق والأمانة من أجل ذلك، بل فعلوه التزاما بقيمهم ودينهم، فكان أن نشروا الإسلام في أرجاء واسعة من هذا العالم دون حروب.

لقد أصبحت الجاليات المسلمة في أرجاء العالم حقيقة واقعة، وبوسع هؤلاء أن يعطوا الصورة الحسنة لدينهم وقيمهم، بدل أن يتعاملوا مع المجتمعات التي يعيشون فيها بروحية العداء والاستباحة كما يروّج بعض الموتورين باسم الإسلام، لا سيما أنهم بذلك يحافظون على هوية أبنائهم من جهة، ويمنحون دينهم المكانة اللائقة به من جهة أخرى. كما يتحوّلون إلى عناصر إيجابية في مجتمعاتهم التي سيندمج فيها أبناؤهم تماما، لاسيما أن جيلا ثالثا قد أصبح الآن هناك.

بقي القول إنه بعد انتشار هذه القصص الثلاث مباشرة، جاءت عملية طعن إجرامية، كي تذكّر الناس بالوجه الآخر للصورة ممثلا في إنسان يعيش في مجتمع ويحمل جنسية دولته، وأقسم على الولاء لها، ثم يعتدي على مدنيين في الشارع باسم الجهاد في سبيل الله.

لكن الأمر الضروري هو القول إنه مقابل فرد كهذا، يوجد ملايين يرفضون هذا المسار، ومن الظلم محاسبتهم عليه، لاسيما أن التطرف موجود في كل الأديان والأيديولوجيات الأخرى، من دون أن يُنسب إليها، باستثناء الحالة الإسلامية.

شتّان شتّان

توفيق محمد

من كان ما يزال يتأمل من القضاء الإسرائيلي شيئا من الموضوعية او الموازنة القضائية، جاء قاضي الصلح في حيفا الذي أدان الشيخ رائد صلاح اليوم ليقول له لا تتوخى منا ذلك.

لم نشك للحظة أن القضاء الإسرائيلي يتعامل معنا كختم مطاطي بيد صاحب القرار السياسي في الدولة.

كنا على يقين كامل وتام من ذلك، وقد علمنا منذ البداية أن إدانة الشيخ رائد صلاح على الشاكلة التي خاطتها النيابة والمخابرات الإسرائيلية وأرباب القرار السياسي حاصلة.

أيقنا منذ البداية أن هذه المحاكمة التي مَثُلَ فيها الشيخ رائد صلاح بجسده إنما هي محاكمة للمفاهيم الدينية وللعقيدة الإسلامية يراد من خلالها:

  1. تحديد المفهوم الإسرائيلي للرباط عن طريق إقراره في المحكمة.
  2. تحديد المفهوم الإسرائيلي للشهادة والشهداء عبر إقراره في المحاكم الإسرائيلية.
  3. تقييد حرية التعبير والاعتقاد وفق تلك المفاهيم التي أقرتها المحكمة الإسرائيلية.
  4. ملاحقة من يتجاوز المفاهيم الإسرائيلية للمعتقدات الإسلامية.

وهذه كارثة حقيقية.

قدر الله لي وقد حضرت السواد الأعظم من جلسات هذا الملف بدءا من الاعتقال وتمديد الاعتقال وتقديم لائحة الاتهام والمداولات، وقد شاهدت كغيري كيف أن طاقم الدفاع فند كل ادعاءات النيابة واحدا تلو الآخر، بشكل يدعو إلى المفخرة بطاقم الدفاع الذي أبدى فهما حقوقيا وقانونيا راقيا وفهما دينيا ولغويا عميقا، ما جعل القاضي يعجب في كل مرة من جديد بهم لدرجة أنه قال عن المحامي الأستاذ رمزي اكتيلات أن أمامه مستقبلا مشرقا، ما جعل فلدمان يتفاخر أنه تدرب في مكتبه. وكذلك أبدع سائر أعضاء طاقم الدفاع الأساتذة خالد زبارقة وعمر خمايسي وفلدمان كالعادة.

كان بإمكان الشيخ رائد صلاح أن ينكر كثيرا من الأسئلة التي طُرحت عليه لدى التحقيق المضاد في المحكمة لكنه اختار أن يثبت في المحكمة، رغم يقينه أن العدل فيها حلم بعيد المنال، لكنه اختار أن يثبت الرواية الإسلامية للمفاهيم والمعتقدات الإسلامية كما نفهمها نحن المسلمين، لأنه قرأ منذ البداية نية النيابة ومن يقف خلفها بمحاولة فرض مفهوم إسرائيلي للمفاهيم والعقيدة الإسلامية.

ولا شك أن الخط الذي اختطه للدفاع عن ثوابت ومعتقدات الأمة أمام التغول الإسرائيلي الذي يسعى من خلال فرض مفهومهن إلى مزيد من التغول في المسجد الأقصى المبارك وإلى مزيد من التغول في الاعتداء والقتل بحق أهلنا وأبناء شعبنا ونزع هالة الشهادة وقدسيتها عنهم ليتسنى له وصم من يدافع عن المقدسات والوطن بالإرهاب بصك قضائي.

قضاء اسرائيل يدين قيادات الداخل الفلسطيني، وفي حالتنا الشيخ رائد صلاح، لأنه يدافع عن المبادئ والمقدسات، والمستشار القضائي للحكومة يقدم لائحة أتهام ضد رئيس حكومة اسرائيل بتهمة الرشوة، والقضاء الإسرائيلي يسجن رئيس حكومة سابق بنفس التهمة ورئيس دولة سابق وهو كتساف بتهمة التحرش الجنسي.

فشتان شتان.

القضية الفلسطينية من هجوم أيلول في أمريكا إلى حرب غزة

أحمد الدبش
في الجزء الثالث والأخير من عرضه ومناقشته لكتاب “إسرائيل وفلسطين: إعادة تقييم وتنقيح وتفنيد”، للكاتب الإسرائيلي آفي شليم، يركز الكاتب والباحث الفلسطيني أحمد الدبش، على استعراض الباب الثالث، المعنون: انهيار عملية السلام، الذي يتكون من خمسة فصول كما يلي:

الفصل الحادي والعشرون: الخطوات الضائعة

يقسم المؤلف صانعي السياسات الأمريكية الخاصة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي إلى “مدرستين فكرتين: مدرسة الحياد أو التعامل المتوازن، ومدرسة إسرائيل أولاً” (ص 367). “وكان جورج اتش دبليو بوش أكثر الرؤساء التزاماً بمدرسة الحياد على مدى التاريخ الأمريكي. أما بيل كلينتون فقد كان، وإلى حد كبير، أكثر الرؤساء الأمريكيين تأييداً لإسرائيل” (ص 267).

ويرى المؤلف أن دينيس روس، الذي كان يشغل كبير مفاوضي السلام في الشرق الأوسط، خلال إدارة جورج اتش دبليو بوش، وخلال ولايتي كلينتون، “ينتمي قلباً وقالباً إلى المعسكر الموالي لإسرائيل” (ص 368). فقد “كانت علاقته بعرفات دائماً متوترة . فقد كان عرفات يري روس في صورة المتعجرف القريب جداً من الإسرائيليين، وكان عرفات في أوقات العصبية يعتبر روس عدواً لدوداً، وفي وقت من الاوقات تمادى لدرجة رفض لقائه، وقام حافظ الأسد بانتقاد روس علانية لأن موقفه تجاه سوريا لم يكن إيجابياً بالقدر الكافي” (ص 371).

يروي المؤلف تفاصيل عملية السلام، من بداية مؤتمر مدريد، مروراً بالمفاوضات الإسرائيلية السورية، ثم اتفاق أوسلو، واتفاق السلام مع الأردن، وصعود نتنياهو إلى الحكم في عام 1996، وتغلب باراك على نتنياهو في العام 1999، ثم الطريق إلى جنيف، ومحاولة كلينتون التوصل إلى اتفاق مع الأسد عام 2000، وفشل اجتماعات جنيف، وصولاً إلى مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، وانهيارها. (ص 373 ـ 382).

يرى المؤلف أن أحد أسباب فشل عملية السلام “التأكيد الأمريكي على أمن إسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية” (ص 383).

الفصل الثاني والعشرون: جورج دبليو بوش والصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني

هزت الهجمات الارهابية على مركز التجارة العالمي والبنتاجون في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 أركان السياسة العالمية بعنف. وكانت لهذه الهجمات عواقب بعيدة المدى أثرت على جميع جوانب السياسة الخارجية للولايات المتحدة تقريباً، بما في ذلك العلاقة مع إسرائيل والفلسطينيين (ص 386). فبعد أسبوعين من الهجمات، أصدر بوش بياناً هو الاأقوى من نوعه تعهد فيه بقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية (ص 387).

وقد أدت التحركات العدوانية ضد السلطة الفلسطينية 2001 إلى وضع إسرائيل على طريق الصدام مع الولايات المتحدة، التي نددت بالأعمال الإسرائيلية بعبارات واضحة لا لبس فيها على غير معهود (ص 389). كان من الواضح وجود صلة بين الحرب في أفغانستان والصراع في فلسطين. فالغالبية العظمى من العرب والمسلمين، تنظر إلى فلسطين باعتبارها قضية محورية، وقد تحدد موقفهم من الحرب الأمريكية في أفغانستان إلى حد كبير من خلال موقف أمريكا من القضية الفلسطينية. وكان التصور السائد يتمثل في ازدواجية المعايير الأمريكية، حيث يطبق معيار على إسرائيل وآخر على الفلسطينيين (ص 391).

وقد أثبتت تجربة إدارة بوش مرة أخرى أن الإتفاق الطوعي بين الطرفين أمر بعيد المنال (ص 392). إن الولايات المتحدة وحدها هي القادرة على كسر جمود السياسة الإسرائيلية. وإذا لم يحدث ذلك، فلا يمكن لأحد أن يفعله (293).

الفصل الثالث والعشرون: حرب آرييل شارون على الفلسطينيين

يحدثنا المؤلف، عن آرييل شارون، رجل الحرب القح، الذي تعود جذور تفكيره إلى “زئيف جابوتنسكي، الأب الروحي لليمين الإسرائيلي. ففي عام 1923، نشر جابوتنسكي مقالاً بعنوان “الحائط الحديدي، نحن والعرب” (…) كان جوهر استراتيجية جابوتنسكي هو تمكين الحركة الصهيونية من التعامل مع خصومها المحليين من موقف قوة لا تقهر”، (ص 395 ـ 396). “ويمثل اتفاق أوسلو 1993 الانتقال من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية من استراتيجية الحائط الحديدي، الانتقال من الردع إلى التفاوض والتسوية” (ص 397).

“وطوال حياته، كان آرييل شارون دائماً في مواجهة مع العرب تصل إلى أقصى مدى لها” (ص 397). “في الأيام الغابرة، اعتاد شارون إلى البحث عن حل القضية الفلسطينية على حساب الأردن(…) وكان يرفع شعار: “الأردن هي فلسطين”. (ص 398). “وحينما كان يشغل منصب وزير الدفاع في حكومة مناحيم بيغين، كان شارون هو القوة الدافعة وراء اجتياح لبنان” (ص 399).

“أدت زيارة شارون الاستفزازية المتعمدة للحرم الشريف بمدينة القدس العتيقة في 28 أيلول (سبتمبر) 2000 إلى اندلاع أعمال شغب فلسطينية التي سرعان ما تحولت إلى انتفاضة الأقصى” (ص 400). “ومع مرور الوقت، أدرك شارون أن الاحتلال في شكله الحالي لا يمكن أن يستمر(…) وكانت خطة للانسحاب الإسرائيلي الأحادي من قطاع غزة وأربع مستوطنات معزولة من الضفة” (ص 405).

وفي 14 نيسان (أبريل) 2004، أعلن جورج دبليو بوش أن مبادرة شارون هي “شجاعة وتاريخية” (ص 405). “في غضون ذلك، أصبح بمقدور شارون، بطل الحلول العنيفة، أن يهنئ نفسه على الانتصار الرائع الذي حققه، فقد نجح بمفرده، في أحداث تحول مزلزل في الموقف الأمريكي، على نحو سوف يؤدي إلى تغيير ملامح الصراع على مدى جيل قادم أو أكثر” (ص 407).

الفصل الرابع والعشرون: فلسطين والعراق

يرى المؤلف، أن “الصلة بين فلسطين والعراق تعود على الأقل إلى حرب الخليج الأولى، وفي أعقاب الحرب، مارس جورج بوش الأب ضغطاً كبيراً على إسرائيل للتفاوض مع الفلسطينيين وهذا الضغط ساهم في هزيمته في الانتخابات الرئاسية عام 1992، وأثناء خوضه وترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2001، كان جورج بوش الإبن حريصاً ألا يكرر خطأ والده، ولذلك منذ البداية، تبني بوش الإبن نهج عدم التدخل في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني” (ص 409).

“وتعكس الفرضية الأساسية الكامنة وراء سياسة جورج دبليو بوش، تجاه الشرق الأوسط، هذا التحيز في الموالاة لإسرائيل. وتتمثل هذه الفرضية في أن القضية الرئيسية ليست فلسطين وإنما العراق” (ص 410).

“كانت احد الحجج لتغير النظام في بغداد تتمثل في منع الدعم العراقي للمناضلين الفلسطينيين، ووضع حد للتعنت الفلسطيني تجاه عملية السلام مع إسرائيل” (ص 414). “لم يساهم الغزو الأنجلو ـ  أمريكي للعراق في حل المشكلة الفلسطينية أو في تعزيز الديمقراطية في العالم العربي. وكان من الأفضل للولايات المتحدة وبريطانيا، لكى يقوما بتعزيز الديمقراطية. أن يحاولا وضع نهاية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية بدلاً من أن يبدأوا احتلالا جديداً خاصة بهم” (ص 422).

الفصل الخامس والعشرون: حرب إسرائيل على حماس الأقوال والأفعال 

بدأت حرب إسرائيل على غزة نهاية عام 2008، واستمرت لمدة 22 يوما وأودت بحياة أكثر من 1300 فلسطيني و13 إسرائيلياً. ولعل الطريقة الوحيدة لفهم هذه الحرب، التي لا معنى لها، تتمثل في فهم سياقها التاريخي. (ص 423). فقد “أدت أربعة عقود من السيطرة الإسرائيلية إلى إلحاق أضرار لا تحصى بالاقتصاد في قطاع غزة(…) وتعتبر غزة حالة كلاسيكية للاستغلال الاستعماري في عصر ما بعد الاستعمار(…) وكان عدد المستوطنين اليهود في غزة عام 2005 فقط 8000 مستوطن مقابل 1.4 مليون فلسطيني. يهيمين المستوطنون على 25% من أراضي القطاع و40 % من الأرض الصالحة للزراعة ويحصلون على حصة ضخمة من مصادر المياه الشحيحة. ورغم وجودهم متلاصقين إلى جانب هؤلاء الغرباء المتطفلين، كانت الغالبية العظمى من السكان المحليين يعيشون في فقر مدقع وبؤس مزر. فـ 80% منهم يعيشون على أقل من 2 دولار يومياً ويعتمدون في حصولهم على الطعام على الحصص الغذائية التي تقدمها وكالة الأمم المتحدة إغاثة اللاجئيين الفلسطينيين (الأونروا)”، (ص 424 ـ 425).

“وفي أغسطس من عام 2005، قامت حكومة الليكود التي كان يرأسها آريل شارون بتنظيم انسحاب من جانب واحد من قطاع غزة، (…) وكان الانسحاب يمثل انتصاراً كبيراً لحماس ومهانة لجيش الدفاع الإسرائيلي. (…) كان الانسحاب من غزة مجرد مقدمة، (…) للتوسع الصهيوني في الضفة الغربية”، (ص 425).

وبحسب المؤلف، كانت حرب غزة 2008، “حرباً بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، لأنه هو الذي انتخبها وقادها إلى السلطة” (ص 428). ويبرئ المؤلف ساحة حماس بالقول: “أولاُ: لم تكن حماس بل جيش الدفاع الإسرائيلي هو من قام بخرق الهدنة. (…) ثانياً: لم يكن هدف إسرائيل حماية شعبها من هجمات صواريخ القسام ولكن هدفها استئصال شأفة حكومة حماس، من خلال تأليب الجماهير عليها. ثالثاً: (…) ارتكبت إسرائيل جريمة القصف العشوائي للمدنيين”، (ص 431 ـ 432).

يصل المؤلف إلى النتيجة التي تقول بأن إسرائيل “تحولت إلى دولة مارقة يحكمها عصبة قادة معدومى الضمير”. دولة مارقة اعتادت انتهاك القانون الدولي، وحيازة أسلحة الدمار الشامل وممارسة أعمال الأرهاب، أي استخدام العنف ضد المدنيين لتحقيق أغراض سياسية. إنها تفي تماماً بالمؤهلات الثلاثة الواردة في تعريف الأرهاب” (ص 436).

الباب الرابع: وجهات نظر

يتكون من خمسة فصول كما يلي:

الفصل السادس والعشرون: صاحب الحياء الملكي (الملك حسين وإسرائيل)

يتناول المؤلف لقاءه بالملك حسين، في منزله بيكلهيرست بارك، في خريف عام 1996 ويعرض مواقفه من الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي..

الفصل السابع والعشرون: إدوارد سعيد والقضية الفلسطينية

يحدثنا المؤلف، عن إدوارد سعيد، “الباحث غزير الانتاج ومتعدد الاهتمامات على نحو غير عادي” (ص 465). “ليس من السهل التعبير عن مساهمة سعيد المباشرة في التاريخ المعقد للحركة الوطنية الفلسطينية في سطور قليلة” (ص 467).

يشير المؤلف إلى مواقف سعيد المتناقضة بالقول: “بعد ثلاثة عقود من التفسير والمناقشة والكتابة والتسكع حول القضية الفلسطينية، تحول إدوارد سعيد من النقيض إلى النقيض. لقد بدأ المسيرة بتفضيل حل الدولة الواحدة وذلك في أواخر الثمانينات، وذلك لأسباب براغماتية، ثم قام بالانتقال المفاجئ إلى حل الدولتين، ثم أقنعته تجربة أوسلو بعدم جدوى ذلك، ولذلك فقد عاد أخيراً لموقفه المبدئي من خلال تبني حل الدولة الواحدة”، (ص 479).

“وفي عام 1999، أسس مع دانيال بارنبويم، عازف البيانو وقائد الأوركسترا الإسرائيلي، أوركسترا الديوان الغربي ـ الشرقي. وكان الصديقان متفقين في اعتقادهما بأن الفن والموسيقي يتجاوزان الأيدلوجيا السياسية”، (ص 479).

كان سعيد يرى، أن “التعاون والتعايش المشترك يمكن أن يحدث كما حدث في هذا النوع من الموسيقي” (ص 480). وقد وصف سعيد الأوركسترا بأنها “أحد أهم الأشياء التي قمت بها في حياتي” (ص 481).

الفصل الثامن والعشرون: أربعة أيام في سيفيل (أشبيلية)

يتطرق المؤلف إلى الندوة التي حضرها في سيفيل (أشبيلية)، والخاصة بالصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، في عام 2004، بالتزامن مع اوكسترا الديوان الغربي ـ الشرقي. (ص 483).

وقد كان “هناك إجماع كامل (في الندوة) حول نقطة واحدة هي: التواصل بين طرفي الصراع، وسواء شئنا أم أبينا، فأن قدر الإسرائيليين والفلسطينيين ببساطة هو العيش معاً جنباً إلى جنب على نفس قطعة الأرض الصغيرة” (ص 484).  وطالب جميع المشاركين في الندوة “بدور أوروبي أكثر فعالية لتسوية النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين”، (ص 486).

الفصل التاسع والعشرون: “بيني موريس” وخيانة التاريخ

يشير المؤلف إلى أن “بيني هو من صاغ مصطلح (التاريخ الجديد) حتى يميزه عن الكتابات التقليدية المناصرة للصهيونية التي تتحدث عن ميلاد دولة إسرائيل والحرب العربية الإسرائيلية الأولى التي انتقدها بيني انتقاداً شديداً. وقد قام بيني في كتابه الذي صدر عام 1988 تحت عنوان “نشأة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين 1947 ـ 1949″، بدحض وتفنيد الإدعاء القائل بأن الفلسطينيين غادروا فلسطين طوعاً أو بناءً على اوامر قادتهم، وقام بيني في ظل وجود الكم الهائل من الوثائق السرية التي تم كشف النقاب عنها مؤخراً، بتحليل الدور الذي لعبته إسرائيل للتسبب في رحيل الفلسطينيين” (ص 488 ـ 489).

وينتقد المؤلف مقالة بيني موريس في صحيفة “الغارديان”، وايضاً حواره في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، وقوله ان “العرب هم المسؤولون”، وعلى الرغم من عدم توفر أي دليل على حجة تعنت العرب، فقد أختلق بيني هذا الدليل بالاعتماد على خياله الخصب (…) ويبدو ان بيني لم يعد قادراً على معرفة الفرق بين التاريخ الحقيقي والخيال أو التزييف” (ص 489). فمعظم كلمات بيني هي محاولة “لإلقاء اللوم على الضحية” (ص  490).

يقول المؤلف: “تصدر النتيجة التي توصل إليها بيني، بطبيعة الحال، عن رواياته الناقصة والمعيبة لتاريخ العقد الماضي، وخاصة خلال العامين الماضيين” (ص 492).

الفصل الثلاثون: حرية الرأي ليست لمنتقدي إسرائيل

يتطرق المؤلف إلى ظاهرة “الهجوم على الأكاديميين الذين ينتقدون إسرائيل” (ص 495). “إن الحماس الزائد الذي يدافع به اليهود الأمريكان عن إسرائيل يكشف عن الاتجاه الرجعي الذي يطمس على نحو أعمى كل وجهات النظر الأخرى” (ص 497).

ويشير المؤلف إلى كتاب نورمان فنكلشتين، المعنون “أمر تجاوز حدود الوقاحة:اساءة استخدام العداء للسامية واستخدام التاريخ”، “في هذا الكتاب شن هجوماً مباشراً على الأعمال الحديثة لليهود الأمريكيين والتي تتحدث عن إسرائيل على شاكلة (وطني على صواب أم على حق)، باستثناء أنها من النادر أن تعترف بوجود خطأ. ويقوم فنكلشتين بإلقاء الضوء على التحيزات والتشويهات والمخالفات والاستخدام الانتقائي للأدلة وفي بعض الحالات عدم الأمانة للمؤلفين. وكما يشير العنوان الفرعي يقوم بالتأكيد على استغلال الهولوكست والعداء للسامية من أجل منح إسرائيل حصانة معنوية ضد النقد” (ص 499 ـ 500).

ماذا حصل لخطة ترامب بشأن الشرق الأوسط؟

ياسين أقطاي ، مستشار الرئيس التركي

تشتمل سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعلقة بالشرق الأوسط على ثلاث خطوات مهمة، يبدو من الصعب الجمع بينها معاً. وكل خطوة من هذه الثلاث تتضمن جوانب ذات صلة بتركيا كما لها علاقة بإسرائيل من ناحية أخرى.

وفي ضوء تناقض هذه الخطوات والخطط الأميركية في الشرق الأوسط؛ يمكن القول إنه من الضروري إعادة النظر -من جديد وبقراءة مختلفة- في مفاهيم العلاقات الدولية.

أولا؛ لنبدأ من النهاية، حيث تندرج التنازلات التي قدمها ترامب لتركيا مؤخرًا ضمن سياسته تجاه سوريا التي تتعرض للانتقاد؛ وقد تم تقييم تلك التنازلات باعتبارها نسفا للخطط التي تقوم بها إسرائيل منذ 60 عامًا خلت، وما زالت تفكر في مواصلتها مستقبلًا.

ثانيًا؛ “صفقة القرن” المعروفة، وهي خطة تتمثل في تطبيع العلاقات بين إسرائيل والشعوب العربية. ومن جهة أخرى؛ تسعى لأن يتم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وبالفعل كانت أول خطوة ضمن هذا السياق هي اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل.

في الحقيقة؛ حتى إسرائيل لم تكن تتوقع أن تحصل على كل هذا، فحتى الآن لم يكن هناك رئيس أميركي يمتلك الجسارة التي امتلكها ترامب الذي أعلن -فجأة ودون إنذار- اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل. وبينما أسعد بذلك إسرائيل من ناحية؛ فإنه -من جهة أخرى- أثار غضب الجماهير العربية التي نزلت إلى الشوارع.

بعد ذلك؛ لم تكن الخطوة القادمة واضحة للغاي، إلا أنه نظرًا لما حصل حتى الآن فإن المرء يتمنى لو أن الدول العربية أيضًا لم تقبل بهذه الخطة؛ فما حصل بعد ذلك من اجتماع للقادة العرب في البحرين برعاية من جاريد كوشنر (صهر ترامب)، يفتح الطريق أمام انقسام وجدل حقيقي داخلي.

ثالثا؛ كانت الخطوة الثالثة لترامب بشأن الشرق الأوسط هي ما وفّره من حماية واسعة لولي العهد السعودي في إطار قضية مقتل جمال خاشقجي. ومن الممكن تلخيص تلك الحماية عبر تصريحات ترامب نفسه عن التبادل المالي المفتوح مع السعودية، لكن بلا شك كان ذلك عبارة عن وفاء بالدَّين الذي قدمه ولي العهد -وبتنسيق من كوشنر- في إطار صفقة القرن.

ربما كان هذا البدل الأميركي من ترامب مقابل الدعم الذي قدمه ولي العهد لصفقة القرن، موضع انتقاد لدى الرأي العام الأمريكي حتى من قبل اللوبيات اليهودية ذاتها.

في المحصلة؛ تبدو هذه المواقف الثلاثة من سياسة ترامب الخارجية أبعد ما تكون عن جعل إسرائيل سعيدة. حيث نسفت خطوات ترامب الأخيرة بشأن سوريا -بتنسيق مع تركيا- ما سبقها من خطوات دفعةً واحدةً. وعلى صعيد آخر؛ فإن التحركات التي تجري في إطار صفقة القرن لا تسير كما يخططون ويرغبون.

أما الوعود التي قطعتها دول عربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل باسم العرب؛ فإن الشعوب العربية وخروجها للشوارع رفضًا للتطبيع واعتباره خيانة عظمى، يعزّز الموقفَ المناهض لهذه الوعود.

في عدد نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول من المجلة الأميركية “السياسة الخارجية”؛ نشر مارتن إنديك –وهو السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل ومؤلف كتاب “هنري كيسنجر وفنّ معاهدة الشرق الأوسط”- مقالًا بعنوان: “لماذا لا يعمل ترامب على خطة الشرق الأوسط؟”.

وقد قدّم إنديك -في هذا المقال- معلومات مهمة عن خلفية “صفقة القرن”، التي جعلت ترامب بطل إسرائيل واللوبيات اليهودية الصهيونية، بينما يعرض -في الجانب الآخر- كيف أنّ الخطة بعيدة عن أن تتحقق على أرض الواقع. وحسبما يعرضه إنديك من معلومات في مقاله هذا؛ فإن الخطة تستند إلى اتفاقية بين كوشنر (صهر ترامب) ومحمد بن سلمان (ولي العهد السعودي).

وبينما يقطع ابن سلمان الوعود لدعم هذه الخطة حتى النهاية؛ يتبيّن –مع مرور الوقت أن قوة ولي العهد السعودي لا تكفي لذلك. لقد قدّم ابن سلمان وعوده لكوشنر بأن تبقى المملكة صامتة تجاه قرار ترامب القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأن تبقى الشوارع العربية خامدة لمدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ إعلان القرار.

وفي الوقت ذاته؛ تعهد في عام 2017 بأن يُقنع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالجلوس على طاولة المفاوضات وفق الشروط التي يريدها ترامب، مقابل رشوة مالية تبلغ 10 مليارات دولار، إلا أن كل هذا راح هباء منثورًا بعد أن رفض عبّاس قبولَ هذا العرض.

إلا أن هذه الرشوة التي عرضها ولي العهد -ظنًّا منه أنها ستكون ناجعة لإقناع الشعب الفلسطيني وشعوب الشرق الأوسط بدلًا من فرض الأمر الواقع- نراها قد باءت بالفشل، وجعلت ابن سلمان خائبًا في ظنه، حيث سقطت أمام الشعور الوطني الخاص وثقافة المقاومة التي يتمتع بها الشعب الفلسطيني.

أما الآن؛ فقد بات الأمر يضع الولايات المتحدة في موقف محرج أمام الاتكال على ابن سلمان لإدارة خططها في الشرق الأوسط. إن رشوته باتت بعيدة المنال عن مفتاح باب القدس؛ ليس في نظر الفلسطينيين فحسب، بل وكذلك في نظر الملك الأردني عبد الله الثاني. حيث لم تنجح التهديدات بقطع المساعدات الأميركية في حمل الملك الأردني على أن يتراجع عن رفضه لـ”صفقة القرن”.

بل إن هناك حسابًا آخر لم يكن في بال ولي العهد السعودي، مما جعله يشعر بتضليل ترامب له، لا سيما حين رفض بشدة والدُه ذاتُه -أي الملك سلمان بن عبد العزيز- تلك الخطة. وحسب السفير الأميركي السابق إنديك؛ فإن ذلك لم يكن بالشيء الذي يمكن التحسب له. حيث مهما كانت العلاقات جيدة بين السعودية والولايات المتحدة؛ فإنه يبدو من الصعب أن يتخلى أي ملك سعودي فجأة عن القدس والشعب الفلسطيني.

بأي شكل ستظهر خريطة الشرق الأوسط السياسية الخاصة بالولايات المتحدة الأميركية من خلال كل هذه الخطوط السياسية؟ وأي نوع من التوصيات اعتمدت عليه دولة عظمى كالولايات المتحدة حتى تقع في فخّ تهوي فيه إلى مستوى متدنٍّ من السياسة الخارجية على هذا النحو؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “48بوست

غزة: إسقاط الاستفراد

عوض عبد الفتاح

حق مقاومة الظلم هو حق راسخ لكل فرد وكل مجموعة وشعب. لقد تم ترسيخ هذا المبدأ في الوثائق الدولية، لكون أنظمة القهر لا تتنازل بمحض إرادتها عن قهرها للشعوب، ووسائل المقاوِمة متروكة للشعب نفسه، هو يقررها ويحدد طبيعتها وتوقيتها. وغالبًا، تحدد طبيعة رد النظام على مطالب الناس، سواء كان نظامًا استبداديًا أو استعماريًا أو كولونياليًا، تحدد طبيعة ردّ المقهور. ولكن، قيادة الشعب المقهور تتحمل، ليس فقط مسؤولية التصدي للقهر، بل أيضًا المسؤولية عن تبعات وسائل وإستراتيجيات النضال التي تعتمدها. ما معناه، يحتاج الأمر إلى شرطين؛ الإرادة والشجاعة، والحكمة وحسن التخطيط.

في الحالة الفلسطينية، وفي ظل تمادي المستعمر وتوحشه، وفي ظل سعي فريق أوسلو الذي تنصل من مبدأ المقاومة حتى الشعبية منها، وفي ظل المخططات الأميركية والصهيونية وأنظمة الخيانة العربية، لتقويض فكرة فلسطين كقضية ووجود لشعب، يحتاج شعب فلسطين وحركته الوطنية إلى من يبقى لديه القدرة على الرفض وإرادة المقاومة. وقد مثل هذا الطرف المقاوم الموجود في قطاع غزة حتى الآن مصدر تهديد لاستقرار الأمن لدى الكيان الإسرائيلي، أو لجزء من مستوطنيه، وخاض دفاعًا عن موقفه ثلاث معارك فُرضت عليه ولم يختارها، سطر فيه مقاتلوه صمودًا أسطوريًا، وأظهرت قياداته رباطة جأشٍ لافتة، وتحمل أهالي قطاع غزة ما لا تتحمله الجبال.

المشكلة هو أن كل هذه الحروب والثمن الهائل الذي دفعته المقاومة على صعيد المقاتلين والقيادة، والعدد الهائل من الشهداء من المقاتلين ومن المواطنين العاديين، لم يؤد إلى نتاج تدفع إلى رفع الحصار، أو إلى إعادة الوحدة إلى الشعب الفلسطيني. لقد واجه، ولا يزال يواجه قطاع غزة وحركة مقاومته، عدوًا متوحشًا يقتل ويدمر دون أدنى رادع. لقد فاقمت التطورات العربية والإسرائيلية، والدولية من أزمة حركة المقاومة في قطاع غزة، وجاءت إجراءات أبو مازن العقابية لتحول الحالة الفلسطينية إلى حالة سوريالية، وأفرزت هذه السياسات أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، أدت إلى احتقان الناس ليس فقط ضد المستعمر الصهيوني، بل ضد السلطة في غزة، إذ فشلت في تقديم بديل وطني لحركة فتح، وفشلت في إقامة حكم مشترك جذاب للناس، وهو ما يحتم عليها التعامل بجدية مع هذا الواقع المتأزم.

وقد باءت كل محاولات حركة حماس، تقريبًا، للخروج من هذا المأزق المتشعب، من خلال المناورة مع الأطراف الإقليمية والدولية. كان الهدف الإسرائيلي منذ البداية، إسقاط حكم حماس من خلال تأليب الناس داخليًا عليها. وفي إطار السعي إلى تحقيق هذا الهدف، استخدمت إسرائيل سياسة فرق تسد من خلال الإبقاء على سلطة رام الله، التي تلتزم بالتنسيق الأمني، ومؤخرًا من خلال إيجاد تفاهم غير مكتوب مع حركة حماس بخصوص إدارة القطاع، الذي يشكل تاريخيا عبئًا على إسرائيل.

هذا ليس جديدًا في تاريخ الأعداء، إذ يجدون أحيانًا تفاهمات حول مصالح مشتركة، ولكنها مختلفة في الأهداف.

الهدف من هذه السياسة الإسرائيلية في الحالة الفلسطينية، هو السيطرة على الطرفين؛ وهما الفلسطينيون في الضفة والفلسطينيون في قطاع غزة. وهكذا، ترسخ الانقسام وتمأسس وامتد حتى اليوم، دون أن يتمكن أي طرف فلسطيني أو عربي أو دولي، من إنهاء هذا الشرخ المدمّر.

الجديد في الحالة الفلسطينية، والذي هيمن على التداول الإعلامي والسياسي الإسرائيلي، وكذلك الفلسطيني أيام العدوان الأخير، هو ما بدا وكأن سياسة الاستفراد الإسرائيلية طالت صفوف المقاومة، أي بين حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، وهو أمر من شأنه أن يبعث الرعب في صفوف الفلسطينيين، إذ يظهر وكأن الإستراتيجية الصهيونية تحقق إنجازًا مهمًا آخر، رغم أن المقاومة، ودون لأن تُفعّل كل ما لديها من وسائل، تمكنت من شلّ الحياة في نصف إسرائيل. ليس الأمر كما تصوره إسرائيل، وإن حصل تباين في الرأي وبالنهج بين الفصيلين، ويمكن إن استمر لأن يُحقق الرغبة الإسرائيلية. لكن، يجدر هنا عدم الوقوع في سوق المزايدات، التي يغذيها المستعمِر الإسرائيلي، ونحن نحتاج إلى التعامل مع واقع فلسطيني مركب، يتحمل المسؤولية الرئيسية عنه الحصار الإجرامي والتحالف الدولي المعادي لفلسطين.

كل ما أردنا قوله، هو ضرورة رؤية إلى أين يمكن أن تتدحرج الحالة الفلسطينية، وداخل القطاع عينه، خصوصًا بعد هذه التطورات الأخيرة. فمن يدير القطاع يدرك خطورة الوضع الداخلي، وبالتالي فإن المخرج يحتاج إلى تفكير آخر مختلف، قبل فوات الأوان. والتفكير يجب أن يعيد تأطير مفهوم المقاومة، ضمن مفهومها الشامل ومتعدد الأشكال، وخاصة النضال الشعبي.  لن يكون بمقدور الناس تحمل الخسائر البشرية الكبيرة بعد كل جولة قتال، التي لا تنتهي بأي إنجازٍ ملموس، بل ترسخ الحصار وتزيد من عزلة المقاومة.

ما معناه أن لا خيار آخر سوى وحدة الحركة الوطنية الفلسطينية والاستعداد لدفع الثمن لذلك، أي دفع ثمن الوحدة، من أجل مصلحة الناس، مصلحة شعبنا. ومقاربة الوحدة تحتاج إلى توجهٍ آخر غير الانتخابات، التي قد تزيد الانقسام والمأزق القائم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “48بوست

التفاؤل أولى خطوات الانتصار على العنف

الشيخ حسام أبوليل

تؤلمنا كثيرًا هذه الجراح والآفات المستمرة والخصامات والنزاعات في مجتمعنا على أتفه الأسباب، وغير خافية آثارها السلبية، والتي تهدد مجمل عيشنا على أرضنا، ويصدع القلوب ويشتت العقول حين تعلم أن قسطًا من هذه الآلام جاءت بخناجر أبنائنا ممن باعوا أنفسهم وتحكمت ووجهت أيديهم سلطة حاقدة ترهقنا وتشغلنا عن قضايا شعبنا الكبرى.

كل هذا وأكثر كان عند كثير من الشعوب المقهورة ومن جثم على صدرها عدو محتل جاء ليشبع غريزة الجشع والطمع والاستعلاء، حتى ارتكبت المجازر على أيدي المحتلين ونشروا الفوضى بين السكان الأصليين وأغرقوهم بالسلاح وغذوا الصراعات القبلية والطائفية وغيرها، واشتعلت حروب أهلية طاحنة أحرقت كل شيء، والعدو يتفرج وينهب وقد كفي نفسه مؤنة المواجهة، حتى دب اليأس في النفوس وغادر البعض الأوطان وعشعش في نفوس البعض أن لا أمل في الإصلاح، بل كان لهذا الفكر في كل زمان مروجون مأجورون، وهذا أخطر الأدواء وألدّ الأعداء، أن يسيطر اليأس وتمتلأ القلوب رعبًا ولا يكون لها همّ إلا الأمان والطعام واستجداء العدو أن يحميهم، وهكذا عرف عدوهم من أين تؤكل الكتف.

لو بقيت هذه العقلية مسيطرة لما نهضت أمة، ولكن علموا أنها غيمة صيف وأنها لعبة الغريب، فزرع أصحاب العقل والفهم الأمل ونشروا الوعي والعلم والتربية، فنهضوا وانتفضوا على الهزيمة الداخلية ثم على أعدائهم وانتصروا.

لقد شهد التاريخ أن كثيرًا من المجتمعات شقت طريق النجاح بعد الأزمات والكوارث، ولا أصدق من تاريخ العرب في الجاهلية في مقابل دولتي الفرس والروم حين جاءت رسالة الإسلام العظيمة وأخرجتهم من الظلمات إلى النور، وساد الإيثار بدل الأثرة، واجتمع العربي والفارسي والرومي والحبشي أخوة.

اليابان: دمرتها الحرب العالمية، لكنها تعلمت من نهضة العرب بالقيم والأخلاق الإسلامية في أقصر مدة، فكان دستورها يبدأ بالقيم والأخلاق تفاعلًا لا تلقينًا في المدارس فنهضت وتقدمت.

رواندا مثال صارخ على حروب أهلية بين قبيلتي الهوتو والتوتسي وراح ضحيتها أكثر من مليون إنسان وما رافقها من ويلات، نهضت من جديد حتى صنفت الأمم المتحدة عاصمتها كيغالي عام 2015 كأجمل مدينة في أفريقيا وأصبحت رواندا عام 2016 أولى الدول الأفريقية جذبا لرجال الأعمال وتحتل المركز السابع عالميا في النمو الاقتصادي والمركز 22 في ريادة الأعمال …

والجزائر وسنغافورة وماليزيا وغيرها، رغم الويلات والتعددية والاختلافات نهضت.

فينا خير كثير وطاقات كبيرة، علينا أن نؤمن بأنفسنا وتثق بقدراتنا، فلا يأس مع الإيمان، بالتفاؤل والأمل تنهض الشعوب والأفراد لأنها بداية الهمة والعزيمة، ويأتي التخطيط وبذل الجهود الجماعية والفردية، وتسير عجلة الإصلاح، تبدأ وتنتهي في البيت والأهل، وتمرّ بالمدرسة والجامع والمؤسسات تربيةً وتحصينًا ومواجهةً لتجار الدم والفوضى.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “48بوست

مآلات التدخل التركي في الأزمة السورية

بروفيسور إبراهيم أبو جابر

آثر حزب العدالة والتنمية منذ وصوله للسلطة عام 2002 عدم التدخّل في شؤون دول الجوار، لا بل عمل وفق النظرية الصفرية في الصراع على المستويين الداخلي والخارجي مما خلق بيئة مناسبة لتشجيع الاستثمارات ال محلية والأجنبية في تركيا.

نجح حزب العدالة والتنمية هذا في طرحه إلى درجة عالية ،ممّا ساعد على بدء النهضة التنموية في تركيا بفضل الاستقرار السياسي بناء على القاعدة المشار إليها أعلاه، غير أن تفجّر الثورة السورية على الحدود الجنوبية لتركيا ،وتدفّق ملايين اللاجئين السوريين إلى الأراضي التركية فارين من نيران جيش النظام السوري وبحثًا عن ملاذ آمن هربًا من جرائم السفاح بشار والعصابات الموالية له ،كل ذلك حمل القيادة التركية على إعادة النظر في سياساتها عامة، فقد كلّف اللاجئون السوريون هؤلاء خزينة الدولة التركية مليارات الدولارات، مما أثّر سلبيا على الاقتصاد التركي مع الوقت رغم انتعاشه ابتداء من هجرة السوريين وحجم استثماراتهم في تركيا.

إنّ اختلاط الأوراق على مستوى المشهد السوري والتدخلات الأجنبية فيه مثل إيران وميلشياتها، ثم الدول الغربية وأهمها الولايات المتحدة و روسيا ،.دفعت تركيا بقوة إلى التخطيط لحماية حدودها الجنوبية، بخاصة بعد دعم القوات الأمريكية لقوات سوريا الديمقراطية(قسد) الكردية والمصنّفة إرهابية من قبل أنقرة. فقوات سوريا الديمقراطية هذه تتهمها تركيا بالمسؤولية عن عديد التفجيرات داخل الأراضي التركية، وعدائها الشديد للجماعات السورية المعارضة للنظام والموالية لتركيا، وسعيها لإقامة دولة علمانية في سوريا.

إنّ أهداف أنقرة من تدخلها العسكري في الشمال السوري عدا القضاء على قوات سوريا الديمقراطية، هو ملاحقة عناصر ما يسمى ب داعش وبعض المجموعات الدخيلة المندسة لتشويه الثورة وبعثرة الأوراق، وحماية الجماعات المسلحة الموالية للثورة التي تم ترحيلها إلى منطقة إدلب في الشمال السوري وبوساطة تركية، ثم إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري تمكّنها من إعادة توطين اللاجئين السوريين فيها بعيدا عن شبح بطش النظام وحلفائه. لكنّ الذي يؤرق القيادة السياسية في أنقرة أيضا هو الوجود الأجنبي على حدودها الجنوبية كالمليشيات الإيرانية والقوات الأمريكية والروسية وغيرها مما دفع الاتراك للتوجس من عواقب هذا الحضور العسكري مستقبلا، بخاصة والبعض يتربّص بحزب العدالة والتنمية، وغير راض عن سياسة الرئيس أردوغان وتصريحاته التي تحمل رسائل غير مطمئنة لأمريكا وإسرائيل والغرب عموما.

يحمل التدخل التركي في سوريا مخاطر للدولة التركية أيضا على مستويات عدّة أهمها التأثير السلبي على اقتصاد البلاد، وتراجع معدّلات صرف الليرة التركية، وشحّ السيولة المالية، لا بل تراجع عدد المستثمرين الأجانب في تركيا مما سيضر كثيرا باحتياطي الدولار في الدولة كنتيجة طبيعية لوقف وسحب الاستثمارات الأجنبية المذكورة، وما ستواجهه تركيا من عقوبات متوقّعة من الولايات المتحدة.

سيضر هذا الوضع يقينا بشعبية حزب العدالة والتنمية لصالح قوى المعارضة التركية، وهذا ما حصل في ال انتخابات المحلية التي جرت في تركيا هذا العام، وخسارة مرشح حزب العدالة والتنمية في المنافسة على رئاسة بلدية إسطنبول.

وأخيرا تملك القيادة التركية الحالية تجربة سياسية غنيّة، وتعي ما يحصل في الإقليم، وهي تتصرّف بناء على مصالحها القومية، ولهذا فهي قادرة أيضا على تخطي هذه الأزمة وإن فسّر الكثيرون وجودها المؤقت على الأراضي السورية غير شرعي.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “48بوست

انتفاضة العراق وسيناريوهات وأدها

تاريخ النشر: 24/10/2019

أمير المفرجي

إن ما يميز انتفاضة العراقيين المستمرة التي نعيشها اليوم، عن مثيلاتها في الأعوام السابقة، وضوح هويتها الوطنية، من خلال إعلان الأغلبية العراقية العابرة للطوائف، عن رفضها لطبيعة النظام السياسي الطائفي الفاسد، السائر في فلك إيران الهادف إلى هدم المشروع الوطني العراقي.

وهذا ما يكشف حجم العلاقة والارتباط بين حتمية وأهمية هذه الانتفاضة، واستمرار العملية السياسية القائمة، التي تديرها حفنة من الأقلية الطائفية، المتمتعة بثروات العراق، على حساب الأغلبية العراقية المستقلة الكادحة العابرة للطوائف. وهذا ما سيدخل المشهد السياسي العراقي إلى سياق جديد، قد يوصل النظام العراقي المتشبث بالسلطة لحافة الهاوية، بعد ان نجح الشارع العراقي في تحويل مطالبه الخدمية والمعيشية، إلى انتفاضة كسر إرادات واضحة المعالم والمطالب بين الشعب والنظام، ويجعلها بالتالي عرضه لمجابهة عدة سيناريوهات محتملة، حيث ستحاول أحزاب النظام في بغداد كسب اللعبة، والعمل على تغيير ميزان القوى لصالحها.

أحد هذه السيناريوهات يتمثل في إسكات الشارع العراقي من خلال ذر الرماد في العيون، والتلويح باصطلاحات جزئية، حيث أن تخوف حكومة عادل عبد المهدي من الدعوة التي حددها المتظاهرون الجمعة المقبل، قد يدفعها للمزيد من الوعود محاولة لإرضاء الشارع، وصولا إلى امتصاص غضبه، على الرغم من أن هذه المحاولات لم تعد تجدي نفعاً، نظرا للنتائج الخطيرة التي خلفتها جريمة إعطاء هذه الحكومة أوامر بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، وتسويغها لجريمة قتل مواطنيها، والادعاء بأنه عمل ارتكبه مجهولون، وأنها لا تعلم هوية من قام بهذا العمل. وهذ ما قد يجعل من فرضية انتهاء الاحتجاجات أمراً مستبعداً، حيث يدرك العراقيون قبل غيرهم أن محاولات الحكومة إسكات صوت الشارع العراقي المنتفض على الفساد والتبعية لإيران ببعض الرشاوى، تكشف طبيعة الأسس الفاسدة التي بني عليها النظام، وكونها تمثل جزءاً من الفساد المستشري الذي استمدت منه العملية السياسية شكلها الحالي. في المقابل تبرز مخاوف المتظاهرين من تجيير حراكهم الوطني لصالح جهات حزبية، مع دعوة رجل الدين السيد مقتدى الصدر أنصاره، إلى المشاركة في المظاهرات، التي ستشهدها العاصمة بغداد الجمعة احتجاجاً على استمرار بقاء النظام. وعلى الرغم من إعلان زعيم التيار الصدري، تأييده لاستمرار المظاهرات، معتبرا أن الحكومة عاجزة عن إجراء الإصلاحات المنشودة، والاختيار بين ثورة في الشارع، أو عبر صناديق الاقتراع، وطلبه من الجيش عدم التدخل، ومن ثم التناقض الذي جاء في دعوته غير المباشرة إلى إيران بعدم التدخل في ما يقرره الشعب، وفشله في التخلص من ضغوط ملالي قم وطهران. كما ان وقوفه الوحيد إلى جانب المتظاهرين كزعيم لتيار مذهبي وبغياب النخبة الوطنية المغيبة، قد يخلط الأوراق، ويؤثر بالتالي على طبيعة الأهداف التي حملها المتظاهرون في أنهم «لا صدريون لا بعثيون لا سنة ولا شيعة»، إذا أخذنا بعين الاهتمام ما حملته هذه المظاهرات من وعي وطني لدى الشباب المنتفض على النظام السياسي الطائفي المفروض عليهم، ورفضهم الواضح لتبعية المظاهرات، سواء كان التيار الصدري أو غيره، بل للعراق وهويته الوطنية الجامعة.

يبقى السيناريو الأخطر هو في لجوء المليشيات إلى استعمال العنف، لوقف استمرار المظاهرات الجمعة المقبل، بعد فشل محاولات الحكومة العراقية امتصاص غضب الشارع العراقي، الذي لم يعد يكتفي برفع الشعارات التقليدية التي تطالب بالخدمات والوظائف ومحاربة الفساد، وانتقاله إلى جوهر المشكلة التي يعاني منها العراق، التي تتلخص في تبعية النظام السياسي العراقي، وهذا يعني اضطرار الميليشيات للدفاع عن وجودها، من خلال ممارسة القتل، وبوجود حكومة فاقدة للسيطرة على أجهزتها، تتستر على القتلة، بعد ان تخاذلت في الكشف عن المتورّطين في مقتل وإصابة المتظاهرين، لتصبح في النهاية شريكة لهم في الجريمة. وأيا كانت فحوى سيناريو نتائج لجنة التحقيق الحكومية المكلفة بكشف الجهة المسؤولة عن عمليات قنص المتظاهرين؛ فإنه من غير المتوقع أن تكشف الحكومة عمن يقف وراء هذه الجرائم، بل ستحاول طمسها لإبعاد التهم عن إيران ومليشياتها. وإفساح المجال لملاحقة واعتقال الناشطين والمتظاهرين، خلال الأيام الماضية، والبدء بالتخويف والترويع للعديد من الناشطين والصحافيين العراقيين عن طريق التهديد بالقتل حال دعوتهم لمظاهرات 25 أكتوبر/ تشرين الأول.

*كاتب عراقي