1911: الحذار من خطر الاستعمار الصهيوني

فلسطين – 22/7/1911

مصطفى تمر

أنسنا بلقاء الأستاذ الفاضل مصطفى أفندي تمر، مدرس الرياضيات في مكتب القدس الإعدادي، متوجهاً لوطنه الشام لقضاء العطلة المدرسية، وقد طلب منا نشر الرسالة الآتية تحت عنوان خطر الإستعمار الصهيوني.

فنحن ننشر له في باب “المِن” ولا نتأخر عن نشر أي رد يصلنا عليها في باب “الإلى”، مشترطين فقط على الكاتب أن يراعي العواطف الجنسية والدينية كما فعل مصطفى أفندي، وأن لا يغط قلمه في محبرة التحامل. قال:

كنت كتبت عدة مقالات في جريدة الأحوال عن الصهيونية ومقاصدها وما تبتغيه، وتاريخ بني إسرائيل منذ خراب بيت المقدس إلى وقتنا هذا، متخذاً الحقيقة قائداً نابذاً التعصب والإغراض ظهرياً، وهذا يظهر من أدنى تأمل لمن قرأها وأمعن النظر فيها. فأحببت الآن أن أذكر نبذة عنت لفكري جواباً على قول البعض فأقول:

يقول الذين (لا حول ولا طول لهم فيما تكنه الدول وتخفيه في صدورها، وما تراه في ضروب السياسة من التفنن والأساليب العجيبة الغريبة)، أن لا خوف من استعمار اليهود وسيرهم وراء غايتهم السياسية في أرض فلسطين، لأن الدول لا تمكنهم من احتلال بلاد لها ارتباط ديني بها ولها في تاريخ المسيحية شأن كبير وأهمية عظيمة، فإنها ترد نصالهم وتصد سيلهم الجارف…

ولكن من عرف أن لا دين في السياسة وأن الأديان والمعتقدات قد اتخذت في هذا العصر آلة للسياسة وهدفاً للأغراض النفسية لا يستغرب الممكنات… ولا يظن الظنون.

فإن فرنسا التي طردت الجزويت من ممالكها وأذاقتهم من الاضطهاد أنواعاً وأشكالاً، تتصدر لحمايتهم والمحافظة على حقوقهم ومد يد المعونة إليهم في الخارج ظالمين كانوا أم مظلومين…

وإن روسيا التي أهلكت الحرث والنسل في اليهود ودمرتهم في بلادها تدميراً وقتلت معظمهم شر قتلة، تنظرها أكبر معين وأعز نصير لهم في بلاد الدولة العثمانية. فكم ارتكبوا أموراً منكرة وأعمالاً فظيعة حتى إذا جاءت الدولة العثمانية تنصف الظالم من المظلوم، ترى سفير الروس تداخل في الأمر وهدد وزمجر للدفاع عن الذين من تابعيته سواء كانوا هم المعتدون أو المعتدى عليهم، فليس هذا من آيات السياسة ومكائدها…

إن للسياسة أبواب مكر وخداع وغش ونفاق يقف الفكر عندها حائراً والبصر خاسئاً، أعاذنا الله من شرها ومن اسمها التي طالما شقيت به أمم وسعدت أخرى.

إن من أخص أماني الروس سوق اليهود إلى الأراضي المقدسة لإيجاد المشاكل وتوليد المعضلات، ليكون لها حق التداخل في سياسة الدولة وأمورها ليتسنى لها ما تنويه كما تفعل في البلقان.

إن أمنية دولة الإنكليز وبيت قصيدها، فصل القطرين السوري عن المصري لئلا يكون بعضهم لبعض ظهيراً إذا اقتضى الحال، لأن الليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيبة، وفصل القطرين لا يكون إلا باحتلال أمة أجنبية في القطر السوري كاليهود.

فإنكلترا تود أن تقوي اليهود في فلسطين والقطر السوري وتنشئ دولة مستقلة صوناً لحفظ كيانها من القطر المصري. وهذه نبوات أظن أن الزمان سيحققها إذا بقيت دولتنا على ما هي عليه من التواني وغض النظر عن مقاصد اليهود وعدم الإعتناء في صد تيارهم القوي.

إن الدول الحاذقة العاقلة تحتاط إلى الشيء قبل وقوعه وتلافي الأمر قبل استفحاله، وإلا فلا يجدي الدواء إذا عضل الداء وبلغت الروح التراقي، فتندم الدولة حين لا ينفع الندم، وتطلب الخلاص ولات حين مناص.

إن ضررهم الاقتصادي وغايتهم السياسية أصبحت مسلمة عند الكل، الكبير والصغير والعالم والجاهل، فلا ينكرها إلا الذين في قلوبهم مرض وعلى أبصارهم غشاوة.

إن جدهم واجتهادهم آناء الليل وأطراف النهر، وعدم مبالاة الحكومة في أمرهم، سيكون عوناً على نوال ما يبتغون من تشكيل حكومة لهم مستقلة ولم شعثهم وفوزهم في هذا المعترك.

إن مسألة الاستقلال أو تشكيل حكومة جديدة لا يدخل في حيز الإمكان إلا بعد أن تسيل الدماء كالأنهار ويحصل من الأمور ما دونه خرط القتاد وشرط الحداد.

ولكن الصهيونيين سيتوقفون على ما يظهر في القياس بالحصول على بغيتهم هنيئاً مريئاً بلا منازع ولا مجادل من الحكومة أو الأهالي حتى تراهما من أكبر المساعدين لهم. فهذا ما دعاهم إلى أن يقدموا إلى إتمام مشروعهم إقدام الآتيَّ.

فإلى متى أيتها الحكومة التهاون في الأمور والتساهل، فهما اللذان جرّا عليك المصائب والمشاكل السياسية التي منيت بها فما زالت ولن تزال حالتك ما دام عدم الإكتراث قائدك وإغضاء الطرف رائدك، فإن خطر الإستعمار الصهيوني لمن أعظم وأعضل المشاكل السياسية التي سيولدها المستقبل عما قريب.

فالبدار البدار قبل أن تتمكن الجراثيم من القضاء على حياتك. فالحذار الحذار قبل أن يستولي الشلل على أعضائك. وإياك أن تهوني الخطب وتستصغري شأنه. إن البعوضة تدمي مقلة الأسد، فما بال الأسد الهصور إذا لاقى الهزبر…

مشاكل ومعضلات وأدواء ومراجل تغلي غلياناً

إذا لم تطفها عقلاءً قوم

يكون وقودها نار وهام

وحتى مَ أيها الأهالي ساعون في تبديد أملاك أباءكم وأجدادكم وبيعها بثمن بخس إلى من لا يرحمكم، ومن هو عامل على محو أثركم وطردكم من وطنكم وتفريقكم أيدي سبا. فهذه جناية سيسطرها التاريخ عليكم ونقط سوداء ستوجب عليكم اللوم من أبناءكم وإخوانكم لا تمحوها مر العيش وكر الدهور.

فحذار حذار من أن تبحثوا عن حتفكم بظلفكم وتجدعوا ما رن أنفكم بكفكم، فليس هذا عمل قوم يعقلون، فكونوا على بينة من أمركم فلا تغركم الحياة المؤقتة التي تمر كالطيف في المنام ويعقبها الموت الزوأم هدانا الله وإياكم والله يهدي للتي هي أقوم.

لماذا طالب رسام باسترجاع لوحته من البطريرك دميانوس؟ وكم أراد مستشار البطريرك الدفع مقابل اللوحة؟

صحيفة فلسطين – 19/7/1911

القدس – لمراسلنا

رسم أحد رهبان (جبل اثوس) صورة لغبطة البطريرك دميانوس، بذل في إتقانها غاية جهده حتى جاءت من أجمل وأتقن صور البطاركة المعلقة في قاعة البطريركية. فجاء بها لغبطته لينال مكافأة عليها. ولكن مستشار غبطته وكاتم أسراره بنايوت أفندي، أشار على البطريرك أن لا يعطيه إلا خمس وعشرين ليرا فقط، مع أنها تساوي فوق المئة.

فواجه المصور غبطته عدة مرات وشرح له ما كابده في شغلها، وأنه اشتغل فيها ستة أشهر مزج من دمه في تلوينها. فإما أن يرجعها له أو يعطيه كيفما كان الحال مصروفه وأتعابه.

والظاهر أن غبطته يصعب عليه مخالفة مستشاره الذي أوعز إلى المغاربة أن تطرده. فاضطر الرجل أن يعرض مسألته للحكومة، وهكذا فعل. ومنذ يومين نزل للمحاكمة مستشار غبطته بنايوت أفندي وأظن أن الدعوى تأجلت.

رسائل من مقيم إلى مهاجر

صحيفة فلسطين 19/7/1911

رسائل

من مقيم إلى مهاجر

17

الله يعمرك يا ضيعتنا

بلادنا أحسن البقاع. لا حر يحرق ولا برد يدنق. هذا أول ما خطر لي أن أقول بعد تلاوتي رسالتك الأخيرة أيها الصديق.

تقول إن الحر عندكم في أميركا اتصل لدرجة اضطرت الناس لهجر المنازل وقصد الجنائن العمومية وأرصفة الشوارع، ليرقدوا حيثما اتفق وكيفما أمكن.

وتقول أيضاً أن ذوي اليسار الذين قصدوا السواحل البحرية ليبتردوا، أوقعهم الحر في حيرة من جهة ملابسهم، وترددوا بين أن يراعوا اللياقة أو يرضخوا لحكم الضرورة. وبمعنى أوضح هل يحافظون على ملابسهم الإعتيادية أو يقضون نهارهم في اللباس المختص بغسيل البحر.

وختمت خبرك بأن الفوز كان لحكم الضروة وأن أصحابنا حجبوا وجه اللياقة، وصاروا يتبادلون زياراتهم ويعقدون اجتماعاتهم ويتجولون في الأسواق ويجلسون في القهاوي والمنتديات وهم تقريباً عراة وبلباس البحر المعروف، ولسان حالهم يقول: الضرورات تبيح المحذورات.

لهذا قلت لك بلادنا أحسن البقاع، لا حر يحرق ولا برد يدنق، وهذا من نعم المولى وحكمته الغامضة. لأننا معاشر الشرقيين رغماً عن كون قاعدة الضرورات تبيح المحذورات هي من وضعنا، فمع ذلك لا سبيل لها أن تمس عندنا الأمور المتعلقة باللباقة والآداب.

فلولا سمح الله اتصل عندنا الحر للدرجة التي تصفها في رسالتك، لكان فتك بأجسامنا قبل أن يفتك بآدابنا، ولكنا نفضل الشيّ بحر الثياب ولا أن يمس الهواء الجزء المستور منا.

إذاً بلادنا أحسن البقاع والقسم الأوفر منا يفضل عدم مفارقتها، وعندما يشيرون عليه بالسفر والسعي، يقول ما قاله ذلك الرجل اللبناني: الله يعمرك يا ضيعتنا.

نزل هذا اللبناني لأول مرة لبيروت فجال في شوارعها وتنقل بين مبانيها، فأدهشته فخامة قصورها حتى نسي نفسه وأدركه الليل، فاحتار ماذا يعمل وهو غريب معدم. أخيراً وجد عتبة قصر فافترش الأرض وجعل العتبة تحت رأسه ونام.

ولما أصبح الصباح استلم طريق ضيعته، فصادفه صديق في الطريق فسأله كيف وجدت مدينة بيروت يا صاح؟ فأجابه هي مدينة جميلة مدينة عامرة ومدينة متمدنة، ولكني لم أنم نوماً هنيئاً فيها “فالله يعمرك يا ضيعتنا ما عمري برتاح إلا فيك”.

ي.

“الشرق يلزمه حاكم مستبد عادل واللورد كتشنر سيدير دفة السياسة المصرية بشدة وحزم “… تعيين اللورد كتشنر قنصل بريطانيا في مصر ينقض كالصاعقة على الجرائد الوطنية

صحيفة فلسطين 19/7/1911

لمراسلنا في القاهرة

ماذا تكون سياسة اللورد كتشنر العميد الجديد؟ هذا هو حديث اليوم هنا. فقد انقض خبر هذا التعيين على الجرائد الوطنية كالصاعقة وتفاءلت الدوائر الأوروبية خيراً به، وانتعشت حركة البورصة لاعتقاد الجميع بأن الشرق يلزمه حاكم مستبد عادل، والإستبداد مع العدل من مميزات اللور كتشنر. فما أحرى به أن يدير دفة السياسة المصرية بالشدة والحزم اللذين عرف بهما عندما كان سرداراً للجيش المصري وحاكماً عاماً للسودان.

وقد كانت سياسة الوفاق التي اتبعها غورست ترمي إلى الإتفاق مع الخديوي على تنفيذ أغراض الاحتلال باللين والضغط على الحزب الوطني والمتطرفين. أما كتشنر والخديوي فعلى طرفي نقيض واختلافه معه في حادثة الحدود الشهيرة لم يزل يرددها الناس، فكيف تكون سياسته معه يا ترى؟

ومن المؤكد أن كتشنر لم يقبل المنصب إلا على شرط أن يكن مطلق اليدين في مصر والسودان، وأن لا يكون منفذاً فقط لسياسة وزارة الخارجية الإنكليزية.

وقد قالت إحدى الجرائد الأوروبية هنا بهذه المناسبة مخاطبة الجرائد الوطنية “لمَ تتأسفن على غورست وتذكرون سياسته بالخير؟ فماذا عمل لكم؟ نعم إنه رقى بعض رجالكم إلى منصب النظار، ولكنه رمى بالآخرين إلى أعماق السجون”.

هذا ومما لا خلاف فيه أن الدولة الإنكليزية قد عمدت إلى تغيير سياسة اللين والرجوع إلى سياسة الشدة. والله أعلم بما ستؤول إليه حال مصر بعد ذلك.

 

اليافي

اندلاع النيران في صيدلية شوخر بالقدس… الإبطاء في إحماء البابور وتشغيله جعل كل ما في المخزن رماداً

صحيفة فلسطين 15/7/1911

شبَّت النار ظهر أمس في صيدلية شوخر الإسرائيلي في مخازن حنانيا لاشتعال قنينة بنزين، وأخذ اللهيب يمتد حتى التهمت النار كل الخزائن وما فيها من الأدوية والقناني.

وللحال ركض رجال البوليس ورجال البلدية وبعض أنفار من الجند، وأحضروا آلة الإطفاء، ولكن الإبطاء في إحماء البابور وتشغيله ووجود ماء، جعل كل ما في المخزن رماداً وارتفع الدخان إلى الهواء، وكان الإنسان يشم من مسافة ساعة رائحة كريهة يضيق لها الصدر.

ولما وصل الخبر إلى عطوفة المتصرف، نزل بنفسه ليرى ما الخبر، وقد قدروا الخسارة بثلاث آلاف ليرا والمحل مضمون.

كان الإحتفال فرنساوياً وكان الدعاء لفرنسا، ولم نسمع كلمة واحدة عربية ولا ذكراً بسيطاً للحكومة العثمانية… ماذا رأينا في احتفال مدرسة الفرير؟

صحيفة فلسطين 15/7/1911

حضرنا في هذا الأسبوع احتفال مدرسة الأخوة المسيحية (الفرير) بتوزيع الجوائز على تلامذتها، فوجب علينا أن نتكلم عما رأينا ونذكر ما عنَّ لنا.

لا نتكلم عما نظرناه من لطف أصحاب هذا المعهد العلمي واحتفائهم بالمدعوين، لأن ذلك من صفاتهم اللازمة. ولا نلمّ بوصف الحفلة فإنها هي هي منذ 20 سنة: رواية تمثل أولاد يرتلون أمام آباء قليلين وأمهات كثيرات اعتدن أن يعددن الأيام بانتظار هذا الاجتماع السنوي، ليعرضن أزياءهن وينتقدن بعضهن.

ولا يمكننا أن نقول شيئاً عن مقدار نجاح التلامذة لأن الأخ الذي كان يقرأ الأسماء ويذكر أنواع وعدد الشهادات التي لكل اسم، كانت قراءته “بالمقاولة” كما يقولون، ولسانه يسبق نظرنا، فما كنا نرى إلا أولاداً تتراكض نازلة طالعة لاستلام جوائزها وحضرة الأخ لا يأخذ له نفساً.

ولا يمكننا أن نذكر كلمة واحدة من الخطاب الذي همسه جناب قنصل فرنسا في آذان من كان بجانبه من الحاضرين، والذي نظن ويظن الجميع أنه كان مفيداً. قلنا نظن لأن جناب القنصل كما قلنا كان يتكلم في “عبّه”.

إذاً ماذا رأينا؟

رأينا كل ما هو فرنسوي. رأينا تلامذة يتكلمون هذه اللغة فظنناهم من نواحي السين أو من ضواحي أفينيون. رأينا الرواية فرنساوية والترتيل فرنساوياً. والمحاورات فرنساوية وسمعنا التصفيق من كل جهة مع أن 70 في المائة من الحاضرين لا يفهمون هذه اللغة.

كان الإحتفال فرنساوياً وكان الدعاء لفرنسا، ولم نسمع كلمة واحدة عربية ولا ذكراً بسيطاً للحكومة العثمانية.

أخبرونا أنه كانت توجد رواية عربية ولكن الوقت لم يسمح بتمثيلها مع أن الحفلة دامت 5 ساعات. وأخبرونا أن المدرسة تعلم اللغة العربية، ولكننا لم نرَ لها أثراً في هذا الاحتفال.

الفرير أخوية خدمت بلدتنا وكافة البلدان الشرقية التي نزلتها خدمة مفيدة. فقد هذبت ناشئتنا وجعلت منها رجالاً وأحيت العلم في ربوعنا، بعد أن أذن مؤذنه بالإندثار.

وهي لا تُلام إذا نشرت لغتها الفرنساوية، لا بل إننا نشكرها على تعليم اللغة المفيدة لأبنائنا. وإنما نذكرها فقط بأن خير الإحسان الإتمام، ولا خير في شاب لا يتقن لغة وطنه، وإذا جمعتك وإياه النوادي وحادثته في موضوع، غلبت عليه المسميات والتراكيب العربية فيستعين بأخواتها الفرنساوية.

فقط هذه ملاحظتنا وما خلا ذلك فإننا نقر لهذه المدرسة بالفضل ولأصحابها بالغيرة على الشبيبة وتكريس النفس لترقية الإنسانية. وربك لا يضيع أجر المحسنين.

1911: صحيفة فلسطين في نصف سنة

صحيفة فلسطين 15/7/1911

في هذا العدد يبتدأ النصف الثاني لهذه الجريدة الأولى، وفيه يرى المشتركون الكرام ما يشهد بإقبالهم عليها وارتياحها لخدمتهم. وليس لنا ما نعدهم به مقابلة لذلك غير استطراد التحسين تدريجياً انشالله.

والآن، فليسمح لنا حضراتهم أن ننظر إلى ماضينا الصحافي القصير ونراجع معهم ما مرّ علينا من الحوادث، متخذين من ذلك للمستقبل درساً لنا وإيضاحاً لهم.

وقبل أن نستعرض تلك الحوادث، لا غنى لنا عن كلمة نقولها ونود أن يحملها الجميع على محمل الإخلاص، وهي أننا كنا دائماً نتحرى في كتاباتنا النفع العام.

ولكن لما كانت مدينتنا هذه ليست كالمدن الكبيرة التي لا يعرف فيها الجار جاره، بل إنك لا تكاد تجد فيها من لا يعرف كل الناس، كان لا بد من أن نتخطى الكتابة في العموميات إلى الشخصيات، وأن يصل رشاش القلم إلى من لا نود أن يصله منا إلا كل مراعاة.

فإلى أولئك الذين يظنون أننا قد أسأنا إليهم في شخص وظيفتهم أو بانتقاد مبدئهم، أن يحملوا ذلك منا على حسن النية وابتغاء الحق ومحبة النفع الخالص.

كان من جملة المواضيع التي طرقنا بابها، الأمن العام. وانتخابات البلدية. وإصلاح المحاكم وجباية الأعشار. وتجارة البرتقال. وزراعة القطن. إلى غير ذلك من المواضيع العمرانية التي نحن في أشد الحاجة إليها، وربما كنا في بعض نظرياتنا على غير الصواب، ولكننا لم نجد لسوء الحظ من يقوم من المواطنين لمساجلتنا، والأخذ والرد معنا وإظهار مواطن الوهن في آرائنا.

وقد كنا أحياناً نستثير في كتاباتنا الرأي العام لنرى درجة قوته فينا، ولكن من المحزن أننا لم نرَ على وجوده دليلاً في هذا اللوا، وأكبر شاهد مقالتنا التي عنوانها “فليثبت الشعب وجوده”.

فإننا قلنا هناك ما هو بحرفه الواحد: لاحظنا بأن أهالي بلدتنا قد استولى على هممهم الفتور وسرى الخمول إلى نفوسهم وعشش الجبن في قلوبهم، فلا يعارضون ولا هم يتظاهرون ولا هم لنا على الأقل يكتبون حتى ننشر رسائل احتجاجهم تحت التوقيع، فيعلم المنتقد عليهم أن ما يكتب هو رأي الجميع.

فكان صدى قولنا السكوت وتأثيره تهامس بعض الأفراد عن صوابه.

ومن هنا ظهر لنا شيئان. أولاً أن وظيفة الصحافي في بلادنا أتعب منها في البلاد الأجنبية، لأن على الصحافي هناك أن ينقل الأخبار، وعليه أن يخلق رأياً عاماً ويحدث إنقلاباً في الأخلاق والعادات.

وثانياً أن الطبقة المتعلمة تأخذ ما يقدم لها على علاته بدون أن تكلف نفسها عناء التفكير أو تعب الإنتقاد. والطبقة الجاهلة جهلها مطبق بكل ما له علاقة بمرافق الحياة.

هذه هي حال الأمة التي يكون المتعلمون فيها 2 في المائة من مجموعها!

ومن جملة المسائل التي أشبعنا الكلام فيها، مسألة عزمي بك والحرم الشريف. ولا نظن أن جريدة من الجرائد كتبت في هذا الباب ما كتبته جريدة فلسطين. ولا شك أن متصرفنا السابق يحفظ لها ذكرى تلك الحملات على أثر هاتيك الحوادث.

ولا يجب أن ننسى أن جريدتنا هي الوحيدة التي حافظت على مبدأ النهضة الأرثوذكسية، فلم تنقلب مع الزمان وأبنائه ولا اكترث التنقل من مياه لبنان إلى حمامات طبريا والعكس بالعكس، فأصبحت لسان حال هذه الملة وشجى في حلق بعض الأفراد المتذبذبين الذين تغرهم ابتسامة رئيس ويرجفهم تهديد حاكم، فيحولون سلاحهم عن أخصامهم، ويطعنون به أمتهم تزلقاً إلى هذا الحاكم وتقرباً من ذاك الرئيس.

فمثل هؤلاء يصدق بهم قول أحد العامة (جوعانين حجة).

وإذا كان لهذه الجريدة ما تفخر به، فهو فتحها أبوابها لأفاضل علماء الأمة الإسلامية لنشر نظير تلك المقالات الإصلاحية التي اطلع عليها القراء، والتي يقصد منها جعل العوائد والأخلاق والتقليدات مجارية لروح هذا العصر العمراني، بما لا يخرج عن حدود الشريعة الغراء.

هذه بعض حوادث ماضي هذه الجريدة القصير، وأملنا أن يأخذ الله بيدنا فنرى تحقيق ما نجده اليوم من الصعاب.

خطب دينية علمية تاريخية يلقيها الخواجا كريكوريوس في بيته بسكنة العجمي

صحيفة فلسطين 15/7/1911

سيلقي الخواجا كريكوريوس في بيته بسكنة العجمي، محاورات دينية علمية تاريخية مساء كل أحد وأربعاء من الساعة “7” إلى “8” إفرنجي. وهو يدعو الجميع إلى حضورها.

وهذه بعض الأمثلة من المواضيع المهمة التي يلقيها:

أهمية النبوات أو القول بالأمور قبل حدوثها.

تاريخ العالم حسب التوراة.

من هو المسيح الدجال وكيف ومتى يظهر؟

أين يقف عقرب ساعة الله المتنبأ عنها؟

عمل المبشرين العظيم في المئة سنة الأخيرة.

هل لدينا علامات قاطعة أنها نهاية العالم؟

المسألة الشرقية ونهايتها حسب النبوات.

الخ. الخ.

ستبتدي هذه المحاورات نهار الأحد الواقع في 6 كانون ثاني سنة 1912.

الدخول مجانا.

ماذا حصل لبائعتي هوى ترتديان السراويل في إحدى أسواق بيروت؟ البوليس يوصلهما المنزل

وتنقذ الفتاتين من تدافع الناس للتفرّج عليهما

صحيفة فلسطين 15/7/1911

كتب لنا مراسلنا في بيروت

ماذا حصل لبائعتي هوى ترتديان الزي الجديد “السراويل” أثناء مرورهما من إحدى أسواق بيروت؟

مرت فتاتان من بنات الهوى في إحدى أسواق بيروت وهما مرتديتان على الزي الجديد (السراويل)، فأخذ البعض يصفر لهما وتراكض الناس واحتاطوا بهما ليتفرجوا على هذه المودة الباريسية. فخافت الفتاتان والتجئتا إلى أحد المخازن المجاورة. وأخيراً تداخل البوليس وفرق الجمع وأركب الفتاتين عربة وأوصلهما إلى منزلهما.

 

“أرجو الحكومة الروسية أن تطلب من ابني أن يغيِّر قراره الوحشي بشأني”… الشاه المخلوع محمد علي يتحصن في أستراباد ويتعهد بعدم العودة إلى إيران

جريدة فلسطين 3/1/1912

يقيم الآن الشاه المخلوع في الحجة نفيسة، وهي قرية صغيرة بجوار بندر غازي، وكان هدمها التركمان بأمر هذا الشاه وهي واقعة على شاطئ خليج استرباد. وهذا المحل الذي اختاره الشاه لإقامته أمين جداً قد حصنته الطبيعة تحصيناً جعلته أعز من جبهة الأسد.

فمن جهة البر لا يمكن لأحد الوصول إليه لأنه محاط بتلال متلاصقة وخنادق عميقة وراءها غابة تمتد إلى مسافة بعيدة. ومن جهة البحر لا تستطيع جنود الحكومة أن تصل إلى هذا المكان لأنه لا يوجد لديهم ولا زورق، ويوجد عند التركمان أنصار الشاه 50 زورقاً كبيراً تستطيع أن تقل خمسين ألف رجل.

وعدا ذلك فإن الشاه المخلوع استأجر من مصلحة السمك في إيران الباخرة اليانوزوفا يقيم فيها محاطاً بتلك الزوارق، وقد بلغ الخوف والهلع من نفس الشاه مبلغاً قصياً حتى أنه لا ينزل من الباخرة أبداً، وذلك خشية أن يغتاله أحد الطامعين بالمكافأة التي قررتها حكومة إيران لمن يحضر لها رأس محمد علي.

ولدى الشاه حاشيته اختار رجالها من أشخاص وثق بأمانتهم وإخلاصهم، وهم يحيطونه طول النهار إحاطة السوار بالمعصم وفي الليل يتناوبون حراسته.

ولقد تمكن من مقابلة الشاه المخلوع على ظهر باخرته أحد محرري جريدة كاسبي التي تصدر في مدينة باكو، فقال له الشاه بحرارة وحسرة وتلهف: “إنني محتاج إلى الراحة التي فارقتني من أمد بعيد، أنا موقن أن الأمة الإيرانية الآن تلعنني لزعمها أني أنا السبب لها كل هذه المشاكل العسرة، ولكن أنا على كل حال إنسان يميل إلى العظمة والسيادة، شأن جميع الناس”.

ثم استطرد الكلام فقال: ليس لي الآن إلا أمل واحد أرجو أن أنال به الراحة، وهو دخول الجنود الروسية إلى إيران. وإذا تم لها ذلك، فأرجو الحكومة الروسية إذ ذاك أن تطلب من ابني ومن مجلس البرلمان أن يغيروا ذلك القرار الوحشي الذي قرروه بشأني، وأنا لست في حاجة إلى أمر آخر.

وإذا فزت بأمنيتي فإني سأبتعد حالاً من حدود إيران وأتعهد بأن لا أعود إليها، بل ألازم جانب السكينة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. (المحروسة)