1911: الحذار من خطر الاستعمار الصهيوني

1911: الحذار من خطر الاستعمار الصهيوني

فلسطين – 22/7/1911

مصطفى تمر

أنسنا بلقاء الأستاذ الفاضل مصطفى أفندي تمر، مدرس الرياضيات في مكتب القدس الإعدادي، متوجهاً لوطنه الشام لقضاء العطلة المدرسية، وقد طلب منا نشر الرسالة الآتية تحت عنوان خطر الإستعمار الصهيوني.

فنحن ننشر له في باب “المِن” ولا نتأخر عن نشر أي رد يصلنا عليها في باب “الإلى”، مشترطين فقط على الكاتب أن يراعي العواطف الجنسية والدينية كما فعل مصطفى أفندي، وأن لا يغط قلمه في محبرة التحامل. قال:

كنت كتبت عدة مقالات في جريدة الأحوال عن الصهيونية ومقاصدها وما تبتغيه، وتاريخ بني إسرائيل منذ خراب بيت المقدس إلى وقتنا هذا، متخذاً الحقيقة قائداً نابذاً التعصب والإغراض ظهرياً، وهذا يظهر من أدنى تأمل لمن قرأها وأمعن النظر فيها. فأحببت الآن أن أذكر نبذة عنت لفكري جواباً على قول البعض فأقول:

يقول الذين (لا حول ولا طول لهم فيما تكنه الدول وتخفيه في صدورها، وما تراه في ضروب السياسة من التفنن والأساليب العجيبة الغريبة)، أن لا خوف من استعمار اليهود وسيرهم وراء غايتهم السياسية في أرض فلسطين، لأن الدول لا تمكنهم من احتلال بلاد لها ارتباط ديني بها ولها في تاريخ المسيحية شأن كبير وأهمية عظيمة، فإنها ترد نصالهم وتصد سيلهم الجارف…

ولكن من عرف أن لا دين في السياسة وأن الأديان والمعتقدات قد اتخذت في هذا العصر آلة للسياسة وهدفاً للأغراض النفسية لا يستغرب الممكنات… ولا يظن الظنون.

فإن فرنسا التي طردت الجزويت من ممالكها وأذاقتهم من الاضطهاد أنواعاً وأشكالاً، تتصدر لحمايتهم والمحافظة على حقوقهم ومد يد المعونة إليهم في الخارج ظالمين كانوا أم مظلومين…

وإن روسيا التي أهلكت الحرث والنسل في اليهود ودمرتهم في بلادها تدميراً وقتلت معظمهم شر قتلة، تنظرها أكبر معين وأعز نصير لهم في بلاد الدولة العثمانية. فكم ارتكبوا أموراً منكرة وأعمالاً فظيعة حتى إذا جاءت الدولة العثمانية تنصف الظالم من المظلوم، ترى سفير الروس تداخل في الأمر وهدد وزمجر للدفاع عن الذين من تابعيته سواء كانوا هم المعتدون أو المعتدى عليهم، فليس هذا من آيات السياسة ومكائدها…

إن للسياسة أبواب مكر وخداع وغش ونفاق يقف الفكر عندها حائراً والبصر خاسئاً، أعاذنا الله من شرها ومن اسمها التي طالما شقيت به أمم وسعدت أخرى.

إن من أخص أماني الروس سوق اليهود إلى الأراضي المقدسة لإيجاد المشاكل وتوليد المعضلات، ليكون لها حق التداخل في سياسة الدولة وأمورها ليتسنى لها ما تنويه كما تفعل في البلقان.

إن أمنية دولة الإنكليز وبيت قصيدها، فصل القطرين السوري عن المصري لئلا يكون بعضهم لبعض ظهيراً إذا اقتضى الحال، لأن الليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيبة، وفصل القطرين لا يكون إلا باحتلال أمة أجنبية في القطر السوري كاليهود.

فإنكلترا تود أن تقوي اليهود في فلسطين والقطر السوري وتنشئ دولة مستقلة صوناً لحفظ كيانها من القطر المصري. وهذه نبوات أظن أن الزمان سيحققها إذا بقيت دولتنا على ما هي عليه من التواني وغض النظر عن مقاصد اليهود وعدم الإعتناء في صد تيارهم القوي.

إن الدول الحاذقة العاقلة تحتاط إلى الشيء قبل وقوعه وتلافي الأمر قبل استفحاله، وإلا فلا يجدي الدواء إذا عضل الداء وبلغت الروح التراقي، فتندم الدولة حين لا ينفع الندم، وتطلب الخلاص ولات حين مناص.

إن ضررهم الاقتصادي وغايتهم السياسية أصبحت مسلمة عند الكل، الكبير والصغير والعالم والجاهل، فلا ينكرها إلا الذين في قلوبهم مرض وعلى أبصارهم غشاوة.

إن جدهم واجتهادهم آناء الليل وأطراف النهر، وعدم مبالاة الحكومة في أمرهم، سيكون عوناً على نوال ما يبتغون من تشكيل حكومة لهم مستقلة ولم شعثهم وفوزهم في هذا المعترك.

إن مسألة الاستقلال أو تشكيل حكومة جديدة لا يدخل في حيز الإمكان إلا بعد أن تسيل الدماء كالأنهار ويحصل من الأمور ما دونه خرط القتاد وشرط الحداد.

ولكن الصهيونيين سيتوقفون على ما يظهر في القياس بالحصول على بغيتهم هنيئاً مريئاً بلا منازع ولا مجادل من الحكومة أو الأهالي حتى تراهما من أكبر المساعدين لهم. فهذا ما دعاهم إلى أن يقدموا إلى إتمام مشروعهم إقدام الآتيَّ.

فإلى متى أيتها الحكومة التهاون في الأمور والتساهل، فهما اللذان جرّا عليك المصائب والمشاكل السياسية التي منيت بها فما زالت ولن تزال حالتك ما دام عدم الإكتراث قائدك وإغضاء الطرف رائدك، فإن خطر الإستعمار الصهيوني لمن أعظم وأعضل المشاكل السياسية التي سيولدها المستقبل عما قريب.

فالبدار البدار قبل أن تتمكن الجراثيم من القضاء على حياتك. فالحذار الحذار قبل أن يستولي الشلل على أعضائك. وإياك أن تهوني الخطب وتستصغري شأنه. إن البعوضة تدمي مقلة الأسد، فما بال الأسد الهصور إذا لاقى الهزبر…

مشاكل ومعضلات وأدواء ومراجل تغلي غلياناً

إذا لم تطفها عقلاءً قوم

يكون وقودها نار وهام

وحتى مَ أيها الأهالي ساعون في تبديد أملاك أباءكم وأجدادكم وبيعها بثمن بخس إلى من لا يرحمكم، ومن هو عامل على محو أثركم وطردكم من وطنكم وتفريقكم أيدي سبا. فهذه جناية سيسطرها التاريخ عليكم ونقط سوداء ستوجب عليكم اللوم من أبناءكم وإخوانكم لا تمحوها مر العيش وكر الدهور.

فحذار حذار من أن تبحثوا عن حتفكم بظلفكم وتجدعوا ما رن أنفكم بكفكم، فليس هذا عمل قوم يعقلون، فكونوا على بينة من أمركم فلا تغركم الحياة المؤقتة التي تمر كالطيف في المنام ويعقبها الموت الزوأم هدانا الله وإياكم والله يهدي للتي هي أقوم.

التعقيبات

لإضافة تعليقك الرجاء تعبئة البيانات

XHTML: You can use these tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Related Posts: