1911: صحيفة فلسطين في نصف سنة

1911: صحيفة فلسطين في نصف سنة

صحيفة فلسطين 15/7/1911

في هذا العدد يبتدأ النصف الثاني لهذه الجريدة الأولى، وفيه يرى المشتركون الكرام ما يشهد بإقبالهم عليها وارتياحها لخدمتهم. وليس لنا ما نعدهم به مقابلة لذلك غير استطراد التحسين تدريجياً انشالله.

والآن، فليسمح لنا حضراتهم أن ننظر إلى ماضينا الصحافي القصير ونراجع معهم ما مرّ علينا من الحوادث، متخذين من ذلك للمستقبل درساً لنا وإيضاحاً لهم.

وقبل أن نستعرض تلك الحوادث، لا غنى لنا عن كلمة نقولها ونود أن يحملها الجميع على محمل الإخلاص، وهي أننا كنا دائماً نتحرى في كتاباتنا النفع العام.

ولكن لما كانت مدينتنا هذه ليست كالمدن الكبيرة التي لا يعرف فيها الجار جاره، بل إنك لا تكاد تجد فيها من لا يعرف كل الناس، كان لا بد من أن نتخطى الكتابة في العموميات إلى الشخصيات، وأن يصل رشاش القلم إلى من لا نود أن يصله منا إلا كل مراعاة.

فإلى أولئك الذين يظنون أننا قد أسأنا إليهم في شخص وظيفتهم أو بانتقاد مبدئهم، أن يحملوا ذلك منا على حسن النية وابتغاء الحق ومحبة النفع الخالص.

كان من جملة المواضيع التي طرقنا بابها، الأمن العام. وانتخابات البلدية. وإصلاح المحاكم وجباية الأعشار. وتجارة البرتقال. وزراعة القطن. إلى غير ذلك من المواضيع العمرانية التي نحن في أشد الحاجة إليها، وربما كنا في بعض نظرياتنا على غير الصواب، ولكننا لم نجد لسوء الحظ من يقوم من المواطنين لمساجلتنا، والأخذ والرد معنا وإظهار مواطن الوهن في آرائنا.

وقد كنا أحياناً نستثير في كتاباتنا الرأي العام لنرى درجة قوته فينا، ولكن من المحزن أننا لم نرَ على وجوده دليلاً في هذا اللوا، وأكبر شاهد مقالتنا التي عنوانها “فليثبت الشعب وجوده”.

فإننا قلنا هناك ما هو بحرفه الواحد: لاحظنا بأن أهالي بلدتنا قد استولى على هممهم الفتور وسرى الخمول إلى نفوسهم وعشش الجبن في قلوبهم، فلا يعارضون ولا هم يتظاهرون ولا هم لنا على الأقل يكتبون حتى ننشر رسائل احتجاجهم تحت التوقيع، فيعلم المنتقد عليهم أن ما يكتب هو رأي الجميع.

فكان صدى قولنا السكوت وتأثيره تهامس بعض الأفراد عن صوابه.

ومن هنا ظهر لنا شيئان. أولاً أن وظيفة الصحافي في بلادنا أتعب منها في البلاد الأجنبية، لأن على الصحافي هناك أن ينقل الأخبار، وعليه أن يخلق رأياً عاماً ويحدث إنقلاباً في الأخلاق والعادات.

وثانياً أن الطبقة المتعلمة تأخذ ما يقدم لها على علاته بدون أن تكلف نفسها عناء التفكير أو تعب الإنتقاد. والطبقة الجاهلة جهلها مطبق بكل ما له علاقة بمرافق الحياة.

هذه هي حال الأمة التي يكون المتعلمون فيها 2 في المائة من مجموعها!

ومن جملة المسائل التي أشبعنا الكلام فيها، مسألة عزمي بك والحرم الشريف. ولا نظن أن جريدة من الجرائد كتبت في هذا الباب ما كتبته جريدة فلسطين. ولا شك أن متصرفنا السابق يحفظ لها ذكرى تلك الحملات على أثر هاتيك الحوادث.

ولا يجب أن ننسى أن جريدتنا هي الوحيدة التي حافظت على مبدأ النهضة الأرثوذكسية، فلم تنقلب مع الزمان وأبنائه ولا اكترث التنقل من مياه لبنان إلى حمامات طبريا والعكس بالعكس، فأصبحت لسان حال هذه الملة وشجى في حلق بعض الأفراد المتذبذبين الذين تغرهم ابتسامة رئيس ويرجفهم تهديد حاكم، فيحولون سلاحهم عن أخصامهم، ويطعنون به أمتهم تزلقاً إلى هذا الحاكم وتقرباً من ذاك الرئيس.

فمثل هؤلاء يصدق بهم قول أحد العامة (جوعانين حجة).

وإذا كان لهذه الجريدة ما تفخر به، فهو فتحها أبوابها لأفاضل علماء الأمة الإسلامية لنشر نظير تلك المقالات الإصلاحية التي اطلع عليها القراء، والتي يقصد منها جعل العوائد والأخلاق والتقليدات مجارية لروح هذا العصر العمراني، بما لا يخرج عن حدود الشريعة الغراء.

هذه بعض حوادث ماضي هذه الجريدة القصير، وأملنا أن يأخذ الله بيدنا فنرى تحقيق ما نجده اليوم من الصعاب.

التعقيبات

لإضافة تعليقك الرجاء تعبئة البيانات

XHTML: You can use these tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Related Posts: