السنة الحادية والأربعون… خلاف بين رهبان كنيسة المهد يؤدي لتراكم النفايات واحداً وأربعين عاماً

السنة الحادية والأربعون… خلاف بين رهبان كنيسة المهد يؤدي لتراكم النفايات واحداً وأربعين عاماً

جريدة فلسطين 3/1/1912

اشتهرت مدينة بيت لحم بذكاء أبنائها ونشاطهم وإقدامهم، وامتازت ببديع ما يتفنن بصنعه أهلها من الأشياء الصدفية التي يتهافت على اقتنائها أهل الورع من الزائرين ومحبو الفن من السائحين.

وفي بيت لحم يجد الإنسان من صنوف البضائع الممتازة وغريب المصنوعات المتقنة، ما يشهد لأهلها بمزيتي الحزق والتفنن. ومنها خرج ذلك الإنجيل الثمين المتقن الذي اشتغله أحد أهاليها وقدمه بطريرك القدس لجلالة ملك انكلترا بمناسبة تتويجه، ووصفته الجرائد الإنكليزية في حينه ونقلنا نحن عنها ما وصفت.

إلا أن جميع ما تحواه بيت لحم من البضائع كله يُشترى ويباع وتنقله التجار من مكان إلى مكان. ما عدا صنف بضاعة يظهر أنه ثمين عند الرهبان: فهم يضنون به ولا يسمحون أن تمسه يد أو يقترب منه إنسان. وهذا الصنف هو كوم من الزبالة تجمّع في الكنيسة التي وُلد فيها السيد المسيح، ومضى عليه أربعون سنة وهو في مكانه يتزايد من عام إلى عام، وفي الأسبوع الماضي كان بدء سنته الحادية والأربعين فمضت كما مضت أخواتها وبقي القديم على قدمه والزبالة في مكانها.

جرت العادة أن تُكنس كنيسة المهد من قبل الروم والأرمن مرة واحدة في السنة، وتصدر الأستانة سنوياً أمراً تلغرافياً بهذا الخصوص لا يتم التكنيس بدونه. فقبل أربعون سنة حيثما كان كامل باشا الصدر الأسبق متصرفاً على القدس، حدث خلاف بين الملتين على تكنيس طاقتين في تلك الكنيسة. فرفع كامل باشا الخلاف إلى الأستانة فورده أمر أن يكنس الفريقان بقية الكنيسة، ويتركا المحل المختلف عليه بلا تكنيس إلى أن تفصل الحكومة الخلاف.

ثم كرت الأيام والشهور وتتابعت السنون، وفي كل سنة ترسل حكومة الأستانة أمرها التلغرافي مؤذناً بالتكنيس، ومستثنياً فقط المحل المختلف على تكنيسه “إلى أن تفض الحكومة الخلاف”.

وقد صار عدد هذه التلغرافات واحداً وأربعين عن 41 سنة كلها نصٌ واحد وجميعها تحوي العبارة التي ذكرناها وهي: “يستثنى تكنيس المحل المختلف عليه إلى أن تفصل الحكومة الخلاف”.

ففي الأسبوع الماضي ورد الأمر الإعتيادي المؤذن بالتكنيس وأوفدت المتصرفية لجنة من قبلها لتقف على تنفيذه، فلما نظرت اللجنة زبالة الإحدى والأربعين سنة المتراكمة في المحل المختلف عليه، ساءها هذا المنظر في كنيسة يجلها ملايين من الخلق.

فتكلمت مع الفريقين وأقنعتهما أن يتركا الحكومة المحلية تنظف المكان إلى أن تحسم حكومة الأستانة الخلاف. فأذعن الفريقان لهذا الحل، وكادت الحكومة تباشر التكنيس، وإذ برهبان اللاتين قاموا في وجهها ممانعين، فاستغربت اللجنة مداخلتهم بأمر مكان لا دخل لهم فيه، وإنما هو يخص الروم والأرمن ويخصهما فقط.

فقال أصحابنا لرجال اللجنة ما يأتي: نعم إن الأمر يتعلق بالروم والأرمن، ولكن الأماكن المقدسة يجب أن يحافظ فيها على “ستاتيكو”، أعني القديم على قدمه، وهذه الزبالة مضى عليها 41 سنة فلا نسمح بتكنيسها. فرجعت اللجنة عن عزمها وآبت إلى القدس ولسان حالها يقول دعهم في غيهم يعمهون.

هذا بعض ما يجريه في الأماكن المقدسة أتباع ذاك الناصري العجيب، الذي أخذته الغيرة يوماً على الهيكل فطرد من كان فيه من الصيارفة والباعة، وهو يقول: “ويل لكم قد جعلتم بيت أبي بيت تجارة”. فكيف به الآن وقد جعلوا بيته الخاص بيت زبالة.

يا ويل خدمة الله من سخط الله.

التعقيبات

لإضافة تعليقك الرجاء تعبئة البيانات

XHTML: You can use these tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>