المرحوم الشيخ عز الدين القسام، اجتهد ومات في سبيل فكرته

المرحوم الشيخ عز الدين القسام، اجتهد ومات في سبيل فكرته

رحمه الله لقد كان مسلما صحيح الإسلام

22/11/1935

صحيفة فلسطين – عبد الغني الكرمي

عرفته بعد أن أثقلت كاهله السنون وأربى على الستين، ولكن مجالدة الدهر، ومقارعة الحوادث، وصروف الزمان، ما ألانت له قناة، وما أذلت له جناحا لأحد، وما زادته إلا ورعاً وتقوى.

كان يمشي مطأطئ الرأس من خشية الله. وكان يتكلم في هدوء وتواضع واتزان، كالعالم الواثق من نفسه، المؤمن برسالته، الحريص على تقوى الله، وبث تعاليم الدين الصحيحة بين الناس، وما سمعته على طول صلتي به، يحب الإصغاء إلى لغو الكلام، والمهاترة، والإستغابة، فإذا أمعن المتحدثون في هذا الضرب من القول، رفع رأسه وقال: استغفروا الله أيها الناس – وانصرف عنهم.

وسمعته مرات خطيبا فكان الخطيب اللسن، المالك أعنة القول، المؤثر على سامعيه، فله من وقاره، وجلال مظهره، وبلاغته، وعلمه الديني الواسع، وقدرته على تخيير الألفاظ والآيات القرآنية والأحاديث النبوية، أكبر معين على اجتذاب القلوب إليه، وتصديق ما يقول، والإعتبار بما يجري على لسانه من عظات وعبر.

وأحسب أنه العالم الديني الوحيد في هذه البلاد، الذي كان إذا صعد المنبر وخطب المسلمين في أيام الجمعة، يغرس في قلوب سامعيه حب الوطن، والإيمان بالحق، والجهاد في سبيل الله.

فقد كانت خطبه كلها مزيجا من الدعوة الصريحة إلى الإنتقاض على الظلم، والتفاني في التضحية، والتدليل على أن المسلم غير مكلف بالخضوع لسلطان غير مسلم أو أجنبي عن أمته، وكان يردد دائما الآية الشريفة: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولى الأمر منكم”، ويشرح معنى “أولى الأمر منكم” شرحا وافيا.

وما أظن أني سمعت له خطبة لم يذكر فيها الآية الشريفة “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون”.

وما أنسى ما حييت مقابلتي له في حيفا، يوم علق شهداؤنا الثلاثة على أعواد المشانق في عكا في 17 حزيران 1930. فقد رأيته متجهم الوجه يغالب الدمع ويجالده، وفي عينيه بريق رهيب وأوصاله ترتجف غضبا، وهو لا يكاد يعي ما حوله. ورأيته يسرع الخطى إلى المسجد فيعتصم به فتبعته، وهناك ألقى خطبة نارية على من حوله، ليس الآن مجال للتحدث عنها.

ورآني بعد أسبوع ألعب النرد في جمعية الشبان المسلمين وسمعني أسخر بقروي جاء ليتداوى في عياد الجمعية الإسلامية، إذ أشكل عليه التفريق بين الأسمين لتقاربهما، فانتهرني وأخذ بيد القروي إلى العيادة ولم يتركه حتى اشترى له العلاج!

وقال لي ذات يوم: يمين الله أن شباب العصر الأخير ابتعدوا كثيرا عن النهج القويم وأمعنوا في الضلال فلم يبق على هذه الأمة إلا أن تعتصم بما في قلوب الفلاحين والعمال من بساطة وإيمان وبُعد عن بهارج مدينتكم الزائفة وعلومكم وآدابكم التي تقصي الإنسان عن “الفطرة” المستحبة.

فقلت له، أتدري أنهم يتهمونك بالشيوعية إذا سمعوك!

فقال: أنظر قد اشتعل رأسي شيباً وخبرتي الطويلة تجعلني أرجو خيراً كثيراً من الفلاحين والعمال، فهم واثقون بالله، مؤمنون بجنات الخلد واليوم الآخر، ومن كانت هذه صفاته كان أقرب الناس إلى التضحية وأجرأهم على الإقدام، أضف إلى ذلك أنهم أقوى بنية وأكثر احتمالا للمشاق والمتاعب.

ولما بلغني نبأ استشهاده في زمرة من هؤلاء المؤمنين الذين عناهم قبل خمس سنوات فهمت ما كان يقصد.

هذا هو المرحوم فضيلة الشيخ عز الدين القسام الذي لم يمنعه كبر سنه عن المضي في تحقيق فكرة اعتنقها ورأى فيها مجتهداً سبيلا لانعتاق أمته من إسارها وأغلالها. رحمه الله، لقد كان مسلماً صادقاً.

 

التعقيبات

لإضافة تعليقك الرجاء تعبئة البيانات

XHTML: You can use these tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Related Posts: